الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

الشيخ المهاجر المجاهد الأثري عبدالله بن سعدي العبدلي

خلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فهذه ترجمة للشيخ المعمر السلفي عبدالله بن سعدي العبدلي الغامدي                       
 اسمه وكنيته :
هو الشيخ العلامة المهاجر المجاهد الداعي إلى الله المعمّر الأثري السلفي أبو عبد الرحمن عبد الله بن سعدي بن عبد الله بن علي آل رافع بن عطية الغامدي العبدلي رفع الله درجاته في المهديين.
 مولده :
ولد الشيخ في مطلع القرن الرابع عشر الهجري ، وهو يقول عن نفسه ( لا أعرف متى ولدت) ، وفي تقدير الأحوال المدنية المدوّن في حفيظة النفوس ، قدر مولده عام ( 1333هـ ) ، ويقول أحد أبنائه وهو الدكتور / يحيى بن عبدالله بن سعدي : (هو يذكر أشياء قبل هذا التاريخ ، مما يدل على أن مولده كان قبل ذلك، إضافة إلى أنه وجدت بعض الوثائق المكتوبة بخطه سنة ( 1343هـ ) ، ويستبعد أن يكون قد كتبها وهو في سن العاشرة) .
وكانت ولادته في قرية ( مصب ) المعروفة الآن بقرية ( مسبا ) ، وهي من قرى محافظة الباحة ، وقد دخلت الآن في مدينة الباحة بسبب الزحف العمراني .
نشأته وطلبه للعلم ورحلته فيه :
نشأ الشيخ في قريته المذكورة ، ثم لما امتد به العمر رحل إلى مكة المكرمة ، وطلب العلم فيها ، والتقى بأكابر العلماء ذلك الحين في الحرم المكي، وفي دار الحديث ، وكان في بادئ أمره يميل إلى الفقه الشافعي وقرأ فيه كثيرا، وحفظ (متن الزبد)، ثم حبب إليه اتباع الأثر ونبذ التقليد ،وإن كانت دراسته شملت بعض كتب المذهب الحنبلي عند مشايخه في نجد كما سيأتي ذكره .
يقول الشيخ : ( بأني حين عودتي من مكة إلى الباحة ، مررت بالطائف، وأدركتتني الصلاة بمسجد: (الهادي) فلما صليت إذا بشيخ حوله جماعة من الطلاب ، وهو يقرأ من كتابٍ ويعلّق عليه، فانضممت إلى الحلقة ، وسمعت منه كلاماً يلين له القلب ، وينشرح له الخاطر ، فسألت من هذا الشيخ ؟ ، فقالوا لي :هو الشيخ أحمد المغربي المالكي، فلما انتهى الشيخ من الدرس ، ابتدرته وأثنيت على درسه وسألته عن هذا الكتاب الذي علق به قلبي ومسامعي ؟ فقال لي :هذا كتاب " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" للشيخ عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمهم الله تعالى- ، فطلبت منه أن يعيرني الكتاب لقراءته فاعتذر لعدم توفر نسخ منه عنده ذلك الحين ، ولكن قال لي بإمكانك أن تحضر معنا هذا الدرس كل يوم ، فقطعت نية السفر إلى الباحة ، ومكثت عنده أياماً عدّة استمع فيها إلى الكلام في التوحيد الذي من أجله خلقنا الله تعالى ، ثم عدت إلى الباحة ، ولم أطل فيها المكث فرجعت إلى مكة ، وبحثت عن كتاب " فتح المجيد " حتى اشتريته)

ثم طاف الشيخ البلاد وجاب فيها،فتجول في سهول تهامة وجبال السروات ، ورحل إلى اليمن ، وطاف بمدن الشمال والقصيم ، ورحل إلى أهل العلم في نجد ، وبلاد الوشم ، في كل ذلك يلتقي بالعلماء ويستفيد من علومهم ،ومن أشهرهم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله - ، فقد لازمه عشر سنوات أو تزيد ، وحفظ عنده المتون وقرأ عليه الكثير .

وله مذاكرات وصلة بالشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - ، منذ أن كان الشيخ عبدالعزيز قاضياً في الدلم إلى قبل وفاته رحمه الله ، وكان الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – يجلّه ويحترمه، ويعرف له جهوده في الدعوة ويثني عليه.
جهوده الدعوية ومؤلفاته :
من توفيق الله للشيخ أنه ممن بذل جسده ووقته في الدعوة إلى التوحيد وإنكار الشرك والبدع والخرافات ، فكانت له الجهود المذكورة المشتهرة في بلاد غامد وزهران ، وجبال السروات ، وسهول تهامة ، في الدعوة إلى التوحيد ، وتعليمه للناس ، وإنكار الشرك والخرافات ، وهدم القبور التي يعتقد فيها جهلة العوام ، وإحراق كتب السحر والشعوذة أين ما وجدها ، وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، حتى لقي من الأذى والإنكار ،ومعارضة أهل الشرك والهوى والحسد ،ما لقي الدعاة المصلحون قبله من الأنبياء وأتباعهم ، فأذاعوا عنه الشتائم والافتراءات ، فأظهر الله له النصرة ، ومحبة الولاة والعلماء وعامة الناس له حتى خوّله الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – وبعده الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – الوعظ وتعليم الناس التوحيد ، ونشر العلم ، ودعم ذلك تأييد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله – له ، وكتابة وصاية لولاة الأمر وأمراء المدن حينئذٍ بمساعدته وتسهيل سبل الدعوة له .
وقد عرض عليه القضاء وبعض المناصب الدينية فرفضها .
وهذا الجهد من الشيخ لم يترك له الوقت الكافي في التفرغ للتأليف والكتابة ، ولكنّه كتب عدة رسائل منها :
- كتاب " الإيضاحات السلفية " .
 -كتاب " منهج المنعم عليهم " .
- كتاب " تحذير الناس من منهج المغضوب عليهم " .
-كتابه الفريد : " عقيدة الموحدين والرد على الضلاّل والمبتدعين " ، مجموع رسائل لأئمة الدعوة السلفية في التوحيد ، كان له من النفع والانتشار ما يشرح قلوب الموحدين .
- وله مكاتبات ورسائل وبحوث مختصرة ، موجودة ضمن
مكتبته العامرة .
ومع ذلك فإن الشيخ معروف عند من داخله بالجلد في القراءة والكتابة ، حتى إنه ينهي المطولات في فترة وجيزة مع التعليق عليها وفهرسة الفوائد والتنبيهات .
عبادته وزهده وأخلاقه :
من جميل وصفه أنه من المداومين على العبادة وممن أعطوا فيها جلداً كبيراً ، وكان فترة نشاطه لا ينقطع من الإكثار من صلاة النافلة وصوم النوافل ، زيادة على كثرة إخباته وتضرعه إلى الله تعالى ، ومما جرّب عنه أنه مجاب الدعوة ، عظيم الرجاء بالله ، وله قصص ووقائع عدة تدل على ذلك .
ومما جرب عن الشيخ أيضاً صدق التوكل على الله عز وجل ، وتسليم أمره لله عز وجل ، وسجلت عنه العديد من القصص في ذلك حين معاداة خصومه له وقت شبابه إلى أن طرحه المرض على الفراش .
ومع ما تقدم من وصفه ، فهو لا يحب الظهور ، والإكثار من المدح ، ويكثر من تحقير نفسه أمام جلسائه ، ويقول : (أنا أستفيد منكم أكثر ) ، ويرفض أن ينثني له الزوار كي يقبلوا رأسه وهو جالس ، ويمنع هذا منعاً شديداً ، ويكتفي بالمصافحة ، ومن قبل رأسه قسراً يقبل الشيخ رأسه مثل ما صنع ؟! ، ويلح بكرم الضيافة على كلّ من زاره في بيته ، ويسأل زائريه عن أقربائهم، ويهتم بأمور المسلمين في جميع أنحاء العالم ، فيظهر الفرح لفرحهم ، ويظهر الحزن إذا حلّت بهم مصيبة أو مظلمة ، ويدعو لهم بإلحاح شديد بالنصرة والتأييد .
ولا يتكلّف الشيخ في لباسه ، ولا في بيته ، وكان إلى عهد قريب يسكن في بيت له قديم بحي الثقافة بالطائف ، ومجلسه في مكتبته الصغيرة المساحة المليئة بالكتب حتى السقف ، ثم انتقل مؤخراً إلى حي الأمير أحمد بالردّف على طريق الشفا .
وهو مجلٌّ لأمر التوحيد ، مكثر للمذاكرة فيه ، كثير الاستحثاث لطلابه وزائريه على قراءة كتب التوحيد ومؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب وتلاميذه - رحمهم الله تعالى - .
وهذه المحبة للتوحيد والتعلّق به ، أكسبته فطنة في التوحيد ومعرفة بالشرك بجميع صوره الأكبر والأصغر .
ومن حسن خلقه إجلاله لحكام الدولة السعودية وإكثار الدعاء لهم ، رافعاً يده إلى السماء ، بصلاحهم وصلاح بطانتهم ، ونصر الإسلام بهم ، ويحفظ الكثير عنهم من أخبار وقصص لمن عاصرهم من حكّام هذه البلاد من لدن المؤسس الملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – إلى هذا اليوم .
كما إنه يكثر الدعاء لأهل العلم ، ومن حسن دينه عنده منهم ، وظهرت له سلامته من البدع والأهواء ، كالشيخ ابن عتيق وابن سحمان و محمد بن إبراهيم والأمير الصالح خالد بن لؤي والإخوان أهل التوحيد و ابن باز ، ومن أقرانه أيضاً كالشيخ فهد بن حمين.
ويحذر بالضد من أهل الأهواء والبدع بأعيانهم وطوائفهم ، وربما يدعو عليهم أحياناً .
ويعلق على كتبهم بالذم لهم ، وفي انتقاده لبعض دعاة الوثنية في هذا الزمان ،قال عنه : ( هذا المشرك الخبيث)

وربما كاتب ولاة الأمر ومن ينوب عنهم في بيان ضرر بعض الفرق المنحرفة ، ودعاة الضلالة ، للأخذ على أيديهم ووقاية الناس من شرورهم .
ومن حسن أخلاقه شدّة صبره على البلاء ، في دينه ودنياه ، من معارضة بعض الناس له في دعوته وأذيتهم له ، كذلك شدة الصبر على ما أصابه من أمراض ، شديد التألم منها ، ولكن ما يبرح أن يسلي نفسه بالصبر ، ويحمد الله على حاله، ومن رآه حين اشتداد مرضه يظن بأن الشيخ لا يشتكي من شيٍ سوى الإقعاد .
وهو لا يكثر الذهاب إلى الأطباء تجريداً للتوكل ، واحتساباً للأجر ، ويقول : ( الطبيب هو الذي أمرضني فهو يشفين).
أولاده وتلاميذه :
للشيخ من الأولاد الذكور ستة سماهم بأسماء الأنبياء سوى الأكبر، وهم :
- الأستاذ عبدالرحمن بن عبدالله السعدي ، رجل أعمال .
- الأستاذ إبراهيم بن عبدالله السعدي ، موظف .
-الدكتور إسحاق بن عبدالله السعدي ، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض.

-الدكتور يحيى بن عبدالله السعدي ، عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد.
-الدكتور عيسى بن عبدالله السعدي ، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة .
- الأستاذ نوح بن عبدالله السعدي ، رجل أعمال .
أمّا عن طلابه الذين لازموه ، واستفادوا منه ، فمن المتعذر جداً أن يحصر خريجو مدرسة قاربت القرن الكامل لكن من أشهرهم :
- الشيخ الدكتور : دوخي بن زيد الحارثي ، رئيس الشئون الدينية بإدارة الحرس الوطني بالطائف سابقاً . - الشيخ : مشعان بن زايد الحارثي ، العميد متقاعد ورئيس الشئون الدينية في وزارة الدفاع والطيران بالطائف سابقاً .
- الشيخ : عبدالله بن سفر الغامدي .
 ثناء أهل العلم عليه :
لقي الشيخ من معاصريه الثناء والاحترام له ، والاعتراف بفضائله ، وممن أثنى على الشيخ من أهل العلم شيخه مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله ، فقال في تزكيته له : (من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من قضاة وأمراء المسلمين ممن أعطاهم الله السلطة والقدرة على نصر الدعاة لدين الله ، وفقني الله وإياهم لما يحبه ويرضاه .
وبعد: فحامل خطابي هذا الشيخ / عبدالله بن سعدي العبدلي الغامدي قد تصدى للدعوة إلى الله ، وتعليم الجهال أمر دينهم ، ومعرفة ما أوجب الله من التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له ، والتحذير مما ينافي ذلك من الشرك الأكبر ، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ، من البدع القادحة فيه ، ومن المعاصي المنقصة لثواب أهله ، نسأل الله أن يمنحه التوفيق ... ) ، ( ص/م 3116 في 23 / 10 / 1378هـ ) ، من مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ( 13 / 157- 158 ) .
وفي تقريظ الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله تعالى – لكتاب الشيخ المسمّى بـ " عقيدة الموحدين " ، قال عنه الشيخ ابن باز : ( فقد تقدم إليّ الأخ في الله فضيلة الشيخ / عبدالله بن سعدي الغامدي ، وهو معروف بصدقه وأمانته وغيرته الدينية ووقوفه ضد الخرافات والأعمال الشركية والبدع ونحوها ، وذبه عن العقيدة الإسلامية والدعوة إليها ، ومكافحة ما يخالفها )

بعض هذه الترجمة منقول من مقالٍ عن الشيخ نشر في جريدة المدينة ـ الملحق الأدبي الأربعاء كتبها ابنه الدكتور/يحيى بن عبدالله بن سعدي.

مراسلات نادرة مع بعض أهل العلم:

هذه رسالة كتبها الشيخ عبدالله بن سليمان بن حميد قاضي جيزان للشيخ عبدالله بن سعدي الغامدي ، وهي رسالة نفيسة فيها فوائد عزيزة كتبت عام 1360هـ.

 وسببها أنه نسب للشيخ عبدالله بن سعدي أنه لا يسافر لبعض المناطق لوجود المنكرات فيها ، وأنه يهجر من لا يستجيب لدعوته ، وأنه لا يخالط الأمراء وشيوخ القبائل والعامة ، وأنه يستعمل العنف والشدة، وعدم الرفق في الدعوة .
فكتب له ابن حميد( وليس هو ابن حميد المشهور)، ينصحه ويأمره أن يكون منهجه كمنهج الشيخ عبدالله القرعاوي في الدعوة إلى الله.
وهذا نص الرسالة:
"من محبك بلا ريب،الداعي لك في ظهر الغيب: عبدالله بن سليمان بن حميد إلى حضرة الأخ الفاضل صاحب الفضائل المحبوب في الله: عبدالله بن سعدي العبدلي الغامدي سلمه الله تعالى، وأطال الله في عمره على طاعته،وحفظه وتولاه وزاد عزه وعلياه ،وحرس دينه ودنياه،وجمعني على بساط المسرة وإياه آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام مع السؤال عن ذاتكم الزكية وأخلاقكم المرضية، أحوالنا من نعم الله تسركم من كافة الوجوه، رزقنا الله وإياكم شكر نعمه،ودفع عن الجميع نقمه، ونسأله الثبات على دين الإسلام والوفاة على سنة محمد سيد الأنام.
كتابكم الجوابي المؤرخ وصل، وجميع ما شرحتموه كان عند مجيئك معلوم، والأمر كما ذكرت وفوق ما شرحت، وهذا آخر الزمان فيه الفتن والامتحان والقابض على دينه الصحيح كالقابض على الجمر ؛ لقلة الأنصار والأعوان نسأل الله السلامة من الفتن، والتوفيق لما فيه السعادة في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وذكرت أخي محبتك لنا، فأحبك الله الذي أحببتنا له، ولا عندنا في ذلك شك ولا ريب، لأن لك عندنا من المحبة شيء عظيم، ودعائك لنا هو غاية المطلوب لحاجتنا إليه من مثلك.
أخي! فهمنا من عدم وصولك إلينا في قرية (أبها) للسلام ، هو ما ترى وما تسمع من المنكرات ،فلا أري هذا الفهم صواباً أم خطأً ، وعلى صحته فإني لا أرى لك ذلك ، بل الصواب للداعي إلى الله أن يستعمل مخالطة الناس ويصبر على أذاهم ويعرف الفرق بين المداراة والمداهنة ،ويستعمل الأولى ليتحصل على غرضه ومطلوبه الذي هو إرشاد الخلق إلى الحق، وتخفيف المنكر وفعل بعض الواجبات، وما لا يدرك كله لا يترك كله، ومن عرف طريق دعوته صلى الله عليه وسلم هان عليه الأمر) ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). وقال « ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ». وقال صلى الله عليه وسلم : « يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا». ولا يخفاكم ما ورد من الآيات والأحاديث في هذا المعنى، فلا نطيل بذكرها.
فالداعي إلى الله سبحانه يحتاج إلى نية صالحة قبل كل شيء، ثم إلى الرفق واللين والتيسير، بلا مداهنة ولا مجاملة ولا هوادة في الحق ، وإذا أراد الداعي أن يطاع فليأمر بما يستطاع، ولا يشدد ولا ينفر ولا يتهدد ولا يتوعد، ويغفر من الإساءة ما لا يضر بالدين ،ويقبل الاعتذار ويغض النظر ويحمل الناس على السلامة، ويتطلب لهم الأعذار فيما أخطأوا فيه حتى يتبين لهم الحق، ويذكر الواعظ قوله تعالى « لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسراً يسراً ». والواعظ المرشد لا يبلغ مراده إلا إذا جمع البشارة والنذارة، وأحكم الترغيب والترهيب ،وأحسن ظن مستمعيه بالله سبحانه وخوفهم معصيته، وبين لهم عقوبة مخالفته في الدنيا والآخرة ، أما الذين لا يقولون إلا بشدة ولا يعظون إلا بعنف،ويقبحون ويفسقون ويكفرون، ويخاطبون الناس بأنت أنت ، فهؤلاء عون لإبليس على الفتنة، ولا يقبل منهم شيء،وخير لهم أن يسكتوا ويعتزلوا الناس ؛ لأن ضررهم أعظم من نفعهم ، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ، وعلى المرشد الداعي أن يبدأ الناس بالأهم فألاهم، ولا يطلب من الناس القيام بجميع ما أمروا به دفعة واحدة ، فإن هذا متعسر جداً ، قال علي للنبي صلى الله عليه وسلم : « ... أو قاتلهم حتى يكفوا مثلنا ، قال : لا ». القصة المعروفة.
وللشيخ عبدالله القرعاوي في دعوته قصص يطول ذكرها،ولا يقبلها إلا هو، ولكنه نال مراده وهدى الله بفعله عباده.
منها:
أنه إذا رأى رجلاً نبيهاً ويرجو بهدايته نفعاً عاماً ، قال له : يا فلان أنت تحب الخير والعلم ، والظاهر إن ما خلفك عن المدرسة إلا شرب الدخان ، فأنت احضر مع الطلبة وإذا بغيت تشرب فسحنا لك ، فيأتي الرجل ويلقي الشيخ المواعظ المتنوعة على الجميع، فلا تأتي خمسة أيام إلا وقد ترك الدخان وصار من أحسن الطلبة!!

وكان في أول أمره إذا جاء عند القبيلة لا ينكر عليهم شيئاً من أفعالهم ، بل يلقي الوعظ والتذكير حتى يتمكن منهم، وأما اللعب فيكتفي منهم أن يوافقوه على عزل النساء في محل، والرجال في محل آخر.
ولم يزل كذلك حتى أدرك قطعه مرة واحدة ، ولكن بعد ثمان سنين.
ويرغبهم في ختان السنة ، يتحمل المصرف والكسوة لمن وافقه على السنة، وبذالك جميع الطلبة وأقاربهم وافقوه على طلبه.
وبهذه الأمور انتشرت دعوته وقبلت، وهدأت الفتن التي كان يلاقيها في سبيل الدعوة، لما صبر وصابر ولما عرف الله صدقه نصره وأيده.
والشيخ القرعاوي يدخل على الأمراء وأهل الماليات والتجار والفجار،ويأمرهم وينهاهم برفق وبصيرة، ويشجعهم على فعل الخير ومساعدة الطلبة كل بحسبه حتى وافقوه وخافوه وأجلَّوه، وصار معظماً في نفوسهم ،وهذا كله من بركة الرفق واللين وحسن النية.
وأملي بالله سبحانه أن تصل إلى تهامة للسلام على الشيخ القرعاوي والطلبة ، وترى حاله هناك لتسرَّ بذلك ، ولتعرف أنه يدرك بالرفق ما لا يدرك بالعنف، ولا يخفى قول بعض الصحابة : «إننا نهش في وجوه قوم وإن قلوبنا تلعنهم ». وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « بئس أخو العشيرة ، ائذنوا له ». فلما دخل عليه هش له في القول.
وإني فهمت من سيرتك، قوتك في الحق والاجتهاد فيه ، وكل من خالف الحق أو قصَّر عاديته في الله وتجنبته ، وبهذا العمل ما يحصل المراد من الدعوة ، بل المخالطة والصبر أقرب إلى حصول المطلوب، وأهل الشر يودون أن أهل الخير يتباعدون عن الأمراء وشيوخ القبائل، حتى يتم لهم مرادهم في الفساد، وقرب العلماء للأمراء والعظماء ورؤساء القبائل يخفف الشر ويقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوعاً ما، وليس شرطاً أن يقبل كل ما يقوله الواعظ ، بل كما تقدم مالا يدرك كله لا يترك كله .
وإني أرجو من الأخ أن لا تظن بأخيك إلا الخير ، فإني لم أذكر ما تقدم إلا وثوقاً بك ومحبة لانتشار الدعوة.
فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطئاً فاستغفر الله ، كما إني أرجوا منك مزاورة أهالي (أبها) وقت العيد، للمعايدة للأمير والقاضي والأهالي، وتتناسى كل ما تقدم، وتلين الجانب، وتسترشد منهم في كثير مما يتعلق بدعوتك لترى المساعدة ، ويتم لك الأمر.وفي الختام أرجوالإفادة عن وقع ذلك في قلبك.
والله ولي التوفيق والهادي إلى أقوم الطريق ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
محبكم المخلص
عبدالله بن سليمان بن حميد
التوقيع
19 /9/ 1369هـ
فرد الشيخ عبدالله بن سعدي برسالة مطولة مفصلة يذكر فيها منهجه في الدعوة إلى الله بالأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف ، وهذه الرسالة هي أوضح وأهم رسالة . وهذا نص ما كتبه الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالله بن سعدي العبدلي الغامدي إلى من أحبه لله وفيه: قاضي جيزان فضيلة الشيخ عبدالله بن سليمان بن حميد حفظه الله تعالى، وأدام توفيقاته وأرشده وأرشد به إلى أقوم طريق آمين وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
مع سؤال محبكم عنكم وعن أحوالكم، لا حل فيكم سوء ولا مكروه

عنَّا بحمد الله تعالى نحن في صحة وعافية ونعمة من الله ضافية، أوزعنا الله شكر نعمه ورزقنا صرفها فيما يرضيه، إنه جواد كريم. حال تاريخه وأنا بخميس مشيط آيباً من رحلتي إلى قبائل (رفيدة) وغيرهم، حامداً لله على ما أزال على يدي من البدع والخرافات، التي من ضمنها قبور مشرفة ومجصصة بقريبة (الذيبة) ومثلها بقرية (المراغة)، والكل تبع للأمير محمد بن ناصر بن عامر والأمير حسين بن صمان، ولقد هدي إلى سبيل الرشاد على يدي ولله عليّ المنة والفضل خلق كثير من هذه الرحلة المباركة، نسأل الله أن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم، كما أني ظفرت بكتاب لدى بعض المطاوعة يدعو إلى القول بخلق القران وجحد صفات الباري جل جلاله، ملبساً على الحق مزخرفاً للباطل، فألقيت عليه القبض ولازلت بصاحبه حتى أبدله الله بدعوته إلى الباطل، الدعوة إلى الحق والهدى وأعطيت له بعض كتب السنة وأرشدته إلى شراء البعض وكل هذا من فضل ربي عليَّ (ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإنَّ ربي غني كريم)
كتابكم المؤرخ في 19 رمضان 1369هـ وصلني يوم خمسة شوال 1369هـ وتبلغت أنكم في صباح اليوم المذكور،توجهتم لمقر العمل فلذلك تأخرت عنكم الإجابة وأنتم بقرية (أبها).

فبخصوص قولكم فهمنا من عدم وصولكم إلينا بقرية (أبها) للسلام هو ما ترى وما تسمع من المنكرات إلى آخر ما أدليت به في العبارة فهذا الفهم غير صحيح، بدليل أني دخلت (أبها) في المرة الأولى وهي بحالة تمرض القلوب وتدمع العيون، وأقمت بها مدة طويلة ولا زلت أتجول وأعود إليها مراراً كثيرة،وألقي المواعظ في سوقها وجميع المساجد الموجودة بها، حتى تلاشت المنكرات واضمحلت واختفى صاحب المعصية بمعصيته، وبعد ذلك حصل علي ما حصل وصرت إلى خير وعافية، وحديث ابن عباس «أحفظ الله يحفظك» إلى آخره أصل عظيم فمن تمشى عليه نجا وأفلح.

وبخصوص قولكم: (بل الصواب للداعي إلى الله أن يستعمل مخالطة الناس ويصبر على آذاهم ويعرف الفرق بين المداراة والمداهنة) إلى آخر العبارة فإن كانت المداراة هي إسقاط حقوق النفس وعدم طلب النصرة من المخلوق بل من الخالق فهذه سبيلي فقد طعنت في عام 1359هـ وسلمني الله، وفي عام 1368هـ رميت بتسع من البنادق وضربت بسبع من الخناجر فلا ثارت البنادق فيَّ، وسلمني الله من ضرب الخناجر وصرفه عني فوقع بأخ لي من الرضاعة وفي البعض من الشُرَط و(أخويا) الأمارة، والمرة الأخرى في 1369هـ زُرب عليَّ باب داري بشوك الطلح، ومرار كثيرة زجت بي (مناصيب الولاية)؛ قضاة وأمراء وغيرهم في نحور الملوك وسلمني الله تعالى،إلى غير ذلك مما يطول شرحه ولو شرحت كل ما لاقيت في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، ولم أرفع في جميع ما ذكرت ولا غيره لمخلوق بل للخالق عملاً بقوله تعالى : «الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين» وقوله عليه الصلاة والسلام «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم بعدهم الأمثل فالأمثل» إلى آخر الحديث، وتأسياً بالصالحين والأعلام القدوة المهديين.
كم جرى من الفتن والمحن من (ملوك الإسلام وقضاة المسلمين)!! على أحمد بن حنبل، وأحمد بن عبدالحليم وابن تيمية، وابن القيم، ومالك ابن أنس، ومحمد بن إسماعيل الأمير، ومحمد بن علي الشوكاني، ومحمد بن عبدالوهاب، قدس الله أرواحهم جميعاً في جنة الفردوس وكم جرى لغيرهم بسبب اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما والدعوة إليهما، ولو ذهبنا لتتبع أسماء من أوذي لذلك السبب لاستدعى المقام مجلداً ضخماً فهل يخطر ببال حضرتكم أن المذكورين كانوا غلاة مشددين أو فظوظ غلاظ قلوب؟ معسرين غير ميسرين؟ أو أمروا بغير ما يستطاع، وخالفوا قوله تعالى «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» وقوله عليه الصلاة والسلام «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» إلى آخره. أو كانوا لا يعرفون الفرق بين المداراة والمداهنة المنوه عنها، أو كانوا لا يقبلون الأعذار المشروعة، أو لا يحملون الناس على السلامة، أو كانوا ينفرون الناس ويتهددونهم ويتوعدونهم أولا يغفرون الإساءة أولا يغضوا النظر عن عيوب الناس حتى حل بهم من المحن والمصائب ما عرفه العاجز المقصر فضلاً عن أولي البصائر والأفهام؟!

أم أن المحن والبلايا الملمة بهم كانت لسبب بيان الحق للخلق وطلب العمل به والصدع بالسنة والكتاب بلا مداهنة ولا مجاملة ولا أخذ خواطر ولا مخاشاة واقتداء بالرسل الكرام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام.
فلما لم يرض المخالف لهم أعمالهم وصدعهم، تطلب مساويهم ورماهم بالجرائم والعظائم والبهت والزور، وزجهم في نحور الملوك حتى حل بأولئك الأعلام ما قد سطر في كتب السير والتاريخ وغيرها من المدونات الشرعية، وانظر إلى قصة يحيى بن معين مع أحمد بن حنبل واعتذار يحيى للإمام أحمد وإعراض أحمد عنه، وكلام يحيى وجواب أحمد عليه، وقد ذكر صاحب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد طرفاً من ذلك في شرحه المذكور، وانظر إلى زهد الإمام أحمد المذكور وإعراضه عن الملوك والأمراء وصدعه بالحق وصبره على الأذى من أجل ذلك، وعدم النظر لمثل العلل التي أدليتم بها عليَّ، وانظر إلى كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى ابن عبداللطيف القاضي الشافعي، وما ذكر فيه عن أحمد وهجره لمن اقتنى كتب أبي حنيفة، فإنه يوجد الكتاب المشار إليه في الأجوبة النجدية جمع ابن قاسم في الجزء الأول والمجلد الأول ص 17 إلى 27 أو 28 وانظر إلى رسالة محمد بن علي الشوكاني إلى الوالي في وقته التي سماها (دفع العدو الصائل) فإنها توجد في مجموعة الرسائل المنيرية، مع أن في سيرته ودعوته عليه الصلاة والسلام الشفاء والكفاية، ومن تدبر ما كان عليه عليه الصلاة والسلام وعقله وجعله دستوراً له عرف وضع كل دواء على دائه فإنه قد هجر بعض أزواجه على كلمة،وهجر بعض أصحابه من أجل التخلف عن الغزو، وأعرض عن البعض من أجل تشريف البنيان، وانتصر للشرع وغضب لربه، والى فيه وعادى من أجله، وقال: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) والولاء والبراء أصلين عظيمين من أصول التوحيد، ومن تدبر قوله تعالى «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا » وانظر فيما دلت عليه الآية الكريمة ومن فهم كلام أهل العلم عليها عرف الفرق، لكن الأكثر من الناس منحرف في كلامه وسكوته، وأما أهل الوسط التابعون للرسل السالكين طريقة أعلام الهدى فهم أهل الصراط المستقيم وهم الذين كفوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، حشرنا الله في زمرتهم وجعلنا بهم مقتدين وبما فازوا به فائزين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

محبي! فضلاً لا أمراً تراجعون الرسالتين المذكورتين وتراجعون مجموعة الحديث النجدية كتاب الكبائر ونصيحة المسلمين وكتاب الترغيب والترهيب للمنذري وتتبعون مظان ما أشرت إليه وكونوا عمر الفاروق، عملاً بقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) وقوله « والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض » وقوله « واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة » وقوله «وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً » إلى آخر الآية وقوله« لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله » إلى آخر السورة ، وقوله «قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه» إلى آخر الآية وقوله«وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا » إلى قوله « والله خبير بما تعملون » وقوله « يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذي آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون» إلى قوله «لبئس ما كانوا يصنعون).
أقول الولاة الصغير منهم والكبير ليسوا سواء أما أهل العدل منهم فإني أحبهم مثل حبي لوالدي وأما من كان فيه عدل وجور فإني أحبه على ما فيه من العدل وأكرهه على ما فيه من الجور مع مناصحتي له سراً إما شفاهياً أو خطياً، وأما من كان ظلوماً غشوماً عاصياً لمولاه متبعاً لهواه فاني أناصحه إن استطعت مع بغضي له حتى يتوب أو يأبى وتأخذه العزة بالإثم،فإذا تاب أحببته وواليته وإن تمادى ورد الحق واستكبر عليه أبغضته وتجنبته هو ومن كان على شاكلته ظلوماً غشوماً لا أستطيع المناصحة له خطياً ولا شفاهياً.
رجعنا إلى قولكم في المداراة و المداهنة فان كانت المداراة مثل الذي ذكرت لكم هي إسقاط حقوق النفس والانتصار للخالق فهذه سجيتي وخلقي وان كانت غير ذلك فاني لا أعرف غيره، وهذا مقام الاستفادة نبئوني بعلم صحيح، وليس بيني وبين الحق عدواة تجدوني أول عامل بما يثبت به النقل عن المصطفى المعصوم عليه الصلاة والسلام، ولكم على أُخيكم رفع أكف الابتهال إلى الله تعالى كما قال بعض السلف من أهل العلم (من علمني حرفاً كان له عليَّ حقاً) وأما قول حضرة الشيخ( وعلى المرشد الداعي أن يبدأ الناس بالأهم فالأهم ولا يطلب من الناس القيام بجميع ما أمروا به دفعة واحدة فان هذا متعسر جداً) إلى آخر العبارة. فجوابه من وجهين: الأول: كان هذا في صدر الإسلام وقت نزول الشريعة شيئاً فشيئاً على حسب المصالح والوقائع، والثاني: يكون العمل بما ذكرتم مع الكفار الأصليين وأما المرتد أو مدعي الإسلام فليس الأمر كما ذكرتم وإلا تعطلت الشريعة وبطلت الحدود والتعزيرات فإذاً لا فائده في نصب القضاة اللهم إلا إذا كانت الدولة كافرة مثل التتار في وقت شيخ الاسلام ابن تيمية وكل دولة كافرة ملعونة لا تحكم بالشرع بل حكمها بالطاغوت ودعوتها إليه فإن كلامكم هذا له وجه ومستحسن، وأما مثل هذه الولاية أعني الولاية السعودية التي جاهدت على الدين حتى ملكت هذه المملكة التي لم تتعدها جولاتي للوعظ والإرشاد وقد نصبت فيها القضاة والأمراء في كل ناحية وبثت الوعاظ والمرشدين، وجعلت بكل قرية إلا ما شاء الله مطاوعة ونواب،وحكمت الشرع في كل قليل وكثير وصغير وكبير وإن حصل شيء من الخلل أو الفتور أو هدم جانب الأمر بالمعروف أو التغافل عن بعض المنكرات فليس ذلك من الملك ولا من ولاة الأمور من فروعه وإنما هو بسبب التغافل والتكاسل وغض النظر من الأمراء والقضاة ورؤساء الدوائر ورؤساء الحسبة وسكوت أهل الدين علماء وقراء ومنتسبين.
فأصبح:(قولكم وعلى المرشد الداعي أن يبدأ الناس بالاهم فالأهم) خطأ وبسببه ظهرت المنكرات علناً، خصوصاً في مكة والطائف وجدة والمدينة وجميع الجهات الجنوبية اليمنية كما لا يخفى، وإلا لو أن العلماء والمطاوعة الموظفين علّموا الدين ونصروه بإقامة الحدود والتعزيرات، والأمراء ورؤساء الدوائر نفذوا أوامر الله وأوامر رسوله عليه الصلاة والسلام وقاموا بما حُمّلوا ما كان الدين هكذا، ولكن بالمداهنة والمجاملة وأخذ الخواطر في حقوق الله تعالى وتقدس حصل ما ترى وتسمع،واتسع الخرق على الراقع، وإذا قام فردٌ بنصرة الدين وتكلم بالحق تعاونوا عليه وآذوه بأنواع الأذيات التي يقدرون عليها لا يرقبون في مؤمن إلاَّ ولا ذمة ولن يرضوا عنه حتى يكون معهم على ما هم عليه ويبتع طريقهم ويسلك مسلكهم ويحسن لهم ما يهوون كما أخبر الله بذلك في سورة البقرة وسورة ن والقلم، قال البخاري في صحيحة في الجزء الأول ص23 (وقال ابن عباس " كونوا ربانيين: حكماء فقهاء" ويقال الرباني: الذي يربي الناس يصغار العلم قبل كباره)
وأما ما ذكرتم بخصوص الشيخ القرعاوي جزاه الله خيراً، فهذا شيء مفهوم وما كانت إقامته ابتداء في سامطة إلا موظفاً للحكومة، فبحكم الوظيفة أسس المدارس وقام بالدعوة شيئاً فشيئاً، وأما أنا فلست موظفاً لغير رب العالمين بل كل ما أفعله من وعظ وإرشاد وتجول لا أريد به إلا ما عند الله محتسباً لأجره متطوعاً به لله تعالى.
ولقد كتبت لبعض الأمراء أطلب الإذن منه في إقامتي في قبيلة خالية من الوعاظ والمرشدين والمدارس، فقلت له أريد المساعدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإذن لي بإقامتي بالمحل الفلاني أفتح به مدارس وأعلم فيه القران ومبادئ الدين وعقيدة أهل السنة مع بث الوعظ والإرشاد في الأسواق والمساجد، ولا أريد منكم غير ذلك « قل لا أسألكم عليه أجراً » فلم يرد عليَّ بجواب البتة، فقلت في نفسي: النية بلغت والخلق والأمر لله ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن.
وأما قول حضرة الشيخ (وإني فهمت من سيرتك قوتك في الحق والاجتهاد فيه وكل من خالف الحق أو قصَّر عاديته في الله وتجنبته) إلى آخر الكلام المدلى به، فأقول: كان الحق على حضرتكم التثبت في مثل هذا المقام، وتفكرون في سبب نزول قوله تعالى « إن جاءكم فاسق بنبأ » ومن نزلت فيه الآية الكريمة وما حكمها وماذا قال فيها أئمة التفسير،وخصوصاً في وقتنا هذا الذي كثرت فيه الأهواء والانتصار للنفوس والبهرج والكذب وكاد يفقد فيه الصدق والورع والإنصاف وتحري الوقوف على الحد الذي رسمه الشارع صلوات الله وسلامه عليه، كما أنه كان حقاً على حضرة الشيخ العمل بقوله تعالى « ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم » وتراجعون التفسير الصحيح وتتدبرون من أول السورة إلى آخر هذه الآيات المرشدات إلى الخير، وتفرون عن الاندراج تحت مدلول قوله تعالى « والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً واثماً مبيناً » ويكفونكم بالاندراج تحت مدلولها أهل الأهواء والأغراض، لأن مالكم قصد ولا هوى فيما أظن واعتقد، ولموجب ظني فيكم واعتقادي أقول: الله يبيحكم ويسامحكم ويعفو عنكم ويجعلكم في حل من جهة أُخيكم ومحبكم في الله، وأما الذين أجرموا فإن الله قد أخبر أنهم من الذين آمنوا يضحكون، كما قال تعالى« إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذ رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليه حافظين » « وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد)

أما أنا أيها المحب فطريقتي مع الناس النصح على العموم، وأرغب في الخير وأبين بعض الآيات والأحاديث المخبرة بالفضائل وأرهب من الشر وأبين بعض الآيات والأحاديث المخبره بعقوبات الجرائم مثال ذلك أقول: من جانبَ المحرمات وحافظ على المأمورات وتقبل الله منه فله الجنة وانظروا يا ناس صفات الجنة ثم أقرأ عليهم مثل سورة الواقعة أو هل أتى على الإنسان أو سورة الرحمن وأشباه ذالك وأتكلم على ما أتلوا عليهم بما استطيع وأقول: من أشرك بالله ومات على فعل الشرك الأكبر فهو مخلد في النار وأبين لهم الشرك الأكبر وأبين لهم ما ورد فيه وأبين لهم الشرك الأصغر وأنه اكبر من قتل النفس بغير حق وأكبر من الزنا والربا والسرقة إلى غير ذلك، وأبين لهم العقوبات الشرعية المترتبة في الدنيا وكذا عقوبات الآخرة إذا مات العاصي ما لم يتب وأقول: إنَّ من سرق أو شهد بالزور أو قتل النفس يترتب عليه في الدنيا كذا وفي الآخرة كذا وهلم جرا إلى آخره ، ثم أبين لهم صفات النار وبعض صفات عذابها ، وأقرأ عليهم بعض ما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك أقول لهم : قال عليه الصلاة والسلام : (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش) ، وأبين لهم صفة ذلك ، فيزعل المتلبس بهذه الأفعال ويغضب ، لكون الراشي ربما تاب وكذا الرائش ، فتنقطع المصلحة عليه ، وكذالك آكل أموال الناس بالباطل بسبب سحر أو تكهن أو (حقوق) على ما يزعمون وأكل الربا ، وقس على ذالك الخمّار والتتّان والزانية والملوط به والسمسار في هذه الأفعال ، والسماسرة اعني الجرارين الجارين النساء والمردان للرجال الفساق ، فمن أجل ذلك يقعون في عرضي ويبهتونني بما ليس فيَّ، ويتندرون عليَّ ويقعدون لي كل مرصد، وينفرون الناس عني ويشوهون سمعتي عندهم ، ويكذبون عليَّ عند أهل الخير وعند أهل الحل والعقد ، وعوينهم على كل ذلك رئيسهم وإمامهم إبليس ، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه ( مدارج السالكين): طرق الشيطان مع الإنسان كثيرة جداً ، ومجامعها ستة طرق ، فأول ما يأتيه من باب الشرك ، فإن وجد معه توحيد وعمل ، انتقل له في باب البدعة ، فإن وجده صاحب سنة وعمل، شم قلبه  فإن وجد عنده قوة في الدين ، دخل عليه من باب الغلو حتى يخرجه عن طريق الصالحين ، فإن وجد معه فتوراً جاءه من باب الكسل والقصور والأماني حتى يخرجه عن الصراط المستقيم ، فإن وجده مقتصداً لا جافياً ولا غالياً ، جاءه من باب الشهوة والاسترسال مع المحرمات ، حتى يرده إلى الباب الأول ، فان وجد معه تقوى وحقيقتها فعل الواجبات وترك المحرمات ، صاده من الباب السادس ولا يفلته: يسلط عليه الناس يؤذونه بأنواع الأذيات ، وينفرهم ولا يقبلون دعوته، ولكن إذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة ، فيحمد الله الذي جعله من أهلها وأكرمه بها ورفعه فيها ، فإن هذا المقام أعلى مقام وليس فوقه أعلى منه إلا مقام النبوة. هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى وليس هو بحروفه . ويشهد له قوله تعالى : «الم* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون* ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين»وقوله عليه الصلاة والسلام : «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم بعدهم الأمثل فالأمثل...» إلى أخر الحديث.
أخي !  الناس أحوالهم لا تخفى فقد شتموا رب العالمين ، وهو الذي يخلقهم ويرزقهم ويميتهم ويحييهم ويدبر جميع أمورهم  فقالوا : ثالث ثلاثة ، وقالوا: فقير ونحن أغنياء ، وقالوا: له زوجة وله ولد ، وقالوا: ليس هنا رب بل فروج تدفع وارض تبلع ، وصبر عليهم وهو القادر القاهر الفعال لما يريد، وقد شتموا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ساحر وقالوا كذاب وقالوا كاهن وقالوا صابي وقالوا مجنون ، إلى غير ذالك من أنواع الأذايا التي آذوه بها كما لا يخفى ، وآذوا رسله الأولين وعباده الصالحين منذ قُتل ولد آدم إلى يومنا هذا ، ولن تزال الأشرار تؤذي الأخيار إلى يوم الدين ؛ لأن الدور ثلاث: دار أخلصت للطيبين ، ودار أخلصت للخبيثين ، ودار امتزج فيها الخبيث والطيب ، وبسبب هذا الامتزاج يحصل الابتلاء والامتحان على الطيب من الخبيث ، وثق بالله لقد وقعوا في عرضك عندي  حتى من ضمن ما قالوا: أن قاضي جيزان عبد الله ابن حميد تسلط على حوش فيه عشاش ومباني لأُناس ضعاف يتامى قد كان والدهم شراه في وقت رخاء المثمنات والمجاعات في السابق بأربعين ريال فرانسه ، واليوم يساوي أربعة آلاف ، فأخذه عليهم بأربعين ريال فرانسه قيمته الأولة فقط ، فدفعت عنك وعن عرضك بما علمه وسمعه رب العالمين ، وأرجو ثواب ذلك عنده تعالى.
فإذا كانت هذه حالة الناس مع الرب ورسله وأوليائه، فكيف بالضعيف المسكين العاجز عبدالله بن سعدي العبدلي الغامدي، قد مَزقُوه وحَرقُوه وقَطعوه لولا لطف رب العالمين ، كيف لا وقد قال تعالى : «وكذالك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الأنس والجن  يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً * ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون* ولتصغى إليه أفئدة الذين لايؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون» وقوله تعالى : «وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون»«وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين(.«حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا* جاءهم نصرنا فنجي من نشاء * ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين»«أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم * مستهم البأساء والضراء * وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)
إلى هنا انتهى القلم بما كتب ، وقد ضربت صفحاً عن الأكثر مما أدليتم به ، والذي أجبت عنه لم استقص في الجواب ، عملاً بقوله تعالى : «عرَّف بعضه وأعرض عن بعض(
والمرجو من فضيلتكم مراجعة الكتب والرسائل المنوه عنها في السابق ، وتأملها بتؤده وإمعان نظر وحضور قلب ، لأن الغالب على القاضي شغل القلب من مقاساة العمل ، وتشويش الخصوم. عافانا الله جميعاً من النار وأذاقنا نعيم الجنة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وصلى الله وسلم على محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.

 حرر في 13 شوال 1369هـ عبدالله بن سعدي الغامدي العبدلي

وهذه رسالة أخرى من الشيخ العلامة فيصل بن عبد العزيز المبارك قاضي الخرمة والجوف للشيخ عبد الله بن سعدي.وهذا نص الرسالة :
حضرة الأخ المكرم الشيخ عبد الله بن سعدي الغامدي سلمه الله تعالى وهداه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
سمعنا بكم وأحببت مواجهتكم ولم يقدر ذلك ، وبلغنا دعوتكم إلى الخير ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيء".
فإذا أخلص الداعي لله ، وتساهل على حسب الدعوة قبلت دعوته ، قال تعالى :" قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين".
ومن قواعد الدين : اجتلاب أعلى المصلحتين بترك إحداهما ، ودرء أكبر المفسدين بارتكاب أصغرهما ، والدين مبناه على الكتاب والحديث ، وأما الفقه فهو فرع من فروعه ، وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".
وما أجمع عليه العلماء لا يجوز الخروج عنه ، وما اختلفوا فيه فعلى حسب قوة الدليل وضعفه ، ولا نكير في مسائل الاجتهاد ، هذا ما لزم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم فيصل بن عبد العزيز المبارك.
حرر جمادى آخر 1368هـ

وقد أجاب الشيخ عبد الله بن سعدي على رسالة الشيخ فيصل المبارك:
وهذا نص الرسالة :
من عبد الله بن سعدي إلى جناب المحبوب لله ومن أجله العلامة المحقق فضيلة الشيخ فيصل بن عبد العزيز بن مبارك ، أعزه الله باتباع الكتاب العزيز والسنة المطهرة ، وبارك الله في عمره وحياته وفصل الله به الحق من الباطل.
وعلى فضيلتكم السلام ورحمة الله وبركاته .
لقد تناولت بيد الفرح والمسرات خطكم المبارك الكريم ، وما اشتمل عليه علم ، وصار قريباً للأذهان في خصوص ما أشرتم إليه بشأن الدعوة ، فهذا المقام لست من أهله وإنما سرت في البلاد النائية عن هذه البلاد أتطفل فراراً من الإندراج تحت مدلول قوله تعالى: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل.." إلى آخر الآية .
وبخصوص ما ذكرتم من القواعد الدينية والآداب الفقهية فجزاكم الله خيراً ، وأنتم أهل لذلك أمدكم الله بروح منه ، ولكن ألفت نظر الشيخ إلى سيرة نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام وفيه الأسوة ، وكما لا يخفى على سماحتكم ما قد حصل على إمام المحدثين أحمد بن حنبل رحمه الله من الآلام والمحن والبلايا ، وعلى شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، وإمام هذه الدعوة المباركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وهب الله له الأجر والثواب ، فصبروا على الأذى الملم بهم من مخالفيهم "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد .." إلى آخره .
ومن تدبر الكتاب والسنة وعمل بهما بصدق وإخلاص ، فلا يخاف ظلماً ولا هضماً ، مع أنه ينبغي للداعي أن يجعل حديث ابن عباس أصل له يتمشى عليه وهو : " احفظ الله يحفظك " إلى آخره ، وقوله تعالى : " أليس الله بكاف عبده " مع أني بحمد الله تعالى في هذه البلاد مسرور مكرم معزز عند الإمام الكريم وأنجاله الأعزاء ، وعند مشايخ الدعوة الفضلاء المباركين ، بارك الله في مساعيهم الصالحة ، فإنهم عاملون بقوله تعالى : (يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ..." إلى آخر الآية الكريمة
و بخصوص ما ذكرتم بشأن الفقه وما أجمع عليه العلماء ، فلا عند محبكم شك في نصحكم له ، وإن لم تكن كلفة على فضيلتكم - فضلاً لا أمراً- تراجعون رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – قدس الله روحه – المكتوبة إلى عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف ، وتجدونها من ص 17 إلى 27 من مجموعة ابن قاسم ، الجزء الأول من الدرر السنية في الأجوبة النجدية ، وعند وقوف فضيلتكم عليها والنظر فيها بتأمل ، تظهر الحقيقة ، وبالأخص عند تأمل كلام أبي العالية ، وكلام أحمد على من اقتنى كتب أبي حنيفة .
والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،

حرر في جماد الآخرة عام 1368هـ

وفاته:

في يوم الأحد الثالث عشر من شهر رجب المحرم من عام خمس وعشرين بعد الأربعمائة والألف للهجرة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم - غادر هذه الدنيا الفانية ، وانتقل - بإذن الله - إلى سلعة الله الغالية الشيخ الداعية السلفي الموحد عبد الله بن سعدي بالطائف عن عمر ناهز قرناً كاملاً ، وصلي عليه من الغد في المسجد الحرام بعد صلاة العصر ، ودفن في مقبرة الشرائع بمكة.
والشيخ ابن سعدي - رحمه الله - علم من أعلام الدعوة السلفية في الدهر الحاضر ، فلقد قام بدعوة مباركة بعد النصف الأول من القرن الغابر في جنوب جزيرة العرب ، بدعم وتأييد من حكام التوحيد والسنة في المملكة العربية السعودية - حرسها الله - من وقت مجدد الدعوة السلفية ، وموحد الجزيرة العربية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود المتوفى سنة 1373هـ - رحمه الله -, ومن بعده ابنه الملك سعود المتوفى سنة 1388هـ - رحمه الله - اللذين أذنا للشيخ عبد الله - رحمه الله - بالدعوة إلى الله ، وإلزام الناس بعقيدة التوحيد ومنعهم من ضدها ، فآتت دعوة الشيخ عبد الله أكلها - ولله الحمد -.
ودعوة الشيخ عبد الله ثمرة من شجرة الدعوة الأم ، دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة 1206هـ - رحمه الله - ، وكان أئمتها المتأخرون خير عون ونصير للشيخ عبد الله بعد الله - سبحانه وتعالى -.
ودعوة الشيخ عبد الله بن سعدي السلفية التي عمت جنوب الجزيرة العربية من جنوب الطائف إلى بلاد اليمن، لا يفي بحقها ولا يقوم بواجبها مقال عابر، بل تحتاج إلى كراسات تخلدها وتوضحها للملأ.

وإتماماً للفائدة عن هذا العلَم المبارك ، أقدم هذه الترجمة الموجزة لحياته:

هو الشيخ السلفي الأثري عبد الله بن سعدي علي العبدلي الغامدي الأزدي.
وب (سعدي) اشتهر ، وإلا فهو من بني عبد الله (العبادلة) والنسبة إليهم عبدلي ، من قبيلة غامد الأزدية المعروفة في منطقة الباحة.
ولد الشيخ عبد الله في أوائل القرن الرابع عشر الهجري بقرية مسب إحدى قرى بني عبد الله في بلاد غامد ، ونشأ في تلك القرية العليلة ، ثم رحل إلى البلد الحرام - حرسه الله - لطلب العلم ، وبعد ذلك انتقل إلى عاصمة التوحيد والسنة الرياض ، والتي كانت مقراً لأئمة الدعوة السلفية وعلمائها ، وعلى رأسهم سماحة الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ المتوفى سنة 1389هـ - رحمه الله - ، فتضلع الشيخ من آثار علم النبوة حتى اشتد عوده في العلم ، وأشرب قلبه التوحيد والسنة ، فرجع إلى ديار قومه داعياً إلى الله على بصيرة بالحكمة والموعظة الحسنة ، ناشراً للمنهج السلفي الذي قام عليه كيان هذه الدولة السعودية المباركة منذ نشأتها الأول على يدي الإمامين المحمدين - رحمهما الله تعالى -.
دعوته :
تقدم في أول المقام أن دعوة الشيخ الطيبة تفرعت عن الدعوة السلفية الكبرى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - فهي دعوة على منهاج النبوة ، هدمت فيها أبنية على القبور ، وقطعت أشجار يعتقد فيها ، ومزقت كتب خرافية مشحونة بالسحر والشعوذة ، وأقيمت حدود وتعزيرات شرعية على المخالفين ، وكل ذلك تم على يد السلطة التنفيذية التي كانت مع الشيخ بأمر من ولاة الأمر - جزاهم الله خيراً - ، وهذه سنة سلفية تميز الدعاة الأثريين عن غيرهم.
ولقد ساعدت دعوته في بناء حياة علمية وثقافية في جنوب البلاد مع دعوة أخويه الشيخين عبد الله بن محمد بن حمد القرعاوي المتوفى سنة 1389هـ - رحمه الله - ، وعبد الله بن يوسف بن عبد الله الوابل المتوفى سنة 1422هـ - رحمه الله - .
ويظهر اثر دعوة الشيخ عبد الله في منطقة الباحة خاصة من بين مناطق الجنوب ، لأنها بلاده فكان نعم البار بها  لقد دعا وعلم فيها ، ونشر العقيدة السلفية ، وجعل لها مدرسة خاصة هي المدرسة السلفية في بلجرشي ، وهي منبر علم ونور إلى يومنا هذا - ولله الحمد -.
وقد قضى الشيخ جل حياته في الدعوة متنقلاً بين قبائل وعشائر وقرى الجنوب ، وقد استقر ردحاً من الزمن في قرية (آل بالنعمان) في عسير ، ثم انتقل لما وهن العظم منه واشتعل الرأس شيباً إلى الطائف المأنوس سنة 1397هـ وسكنه حتى وفاته - رحمه الله - .
صفاته :
أبرز صفة عرف بها الشيخ وذاع صيته من أجلها قوته وصرامته في أمر التوحيد والعقيدة والمنهج السلفي ، فكان لا يحيد عنها قيد أنملة ، وله في ذلك مواقف مشرفة - رحمه الله -.
ومن صفاته - وهي نابعة عن الأولى - موقفه الصارم من الجماعات الدعوية الحديثة المبتدعة ودعاتها ، والتي غزت - وللأسف - بلادنا فانحرف كثير من الشباب عن المنهج الصحيح بسببها، وأورثتهم لوثات عقدية فاسدة.
ومن صفاته - وهي نابعة عن الأولى أيضاً - محبته الجمة للعلماء وطلبة العلم من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ، وله رسائل متبادلة مع كثير منهم.
ومن صفاته أيضاً صفاء المنهج الفقهي الاجتهادي عنده ، فكان على منهج أهل الحديث الذين يلقون بكل قول خالف الدليل خلف ظهورهم ، مع احترامهم للأئمة والفقهاء وآثارهم ، وهذا هو منهج أئمة الدعوة السلفية النجدية إلى يومنا هذا - ولله الحمد –

ومن صفاته شدة تنسكه ، فلقد كان قواماً لليل في حضره وسفره ، ولما أثقلته أمراض الشيخوخة انقطع للعبادة حتى لقي ربه وهو على أحسن حال.

ومن صفاته ولاؤه السلفي لحكام هذا البلاد ومحبته لهم ، وكان لا يمل من الدعاء والنصح لهم.
وعرف عنه - رحمه الله - كثرة زيجاته من عقيلات كبار القبائل الجنوبية ، وكان الهدف من هذه الكثرة تأليف القبائل للحق ، وجلب قلوبهم للتوحيد والسنة.

أقوال الأئمة فيه :
لقد حظي الشيخ عبد الله بمكانة مميزة عند أئمة أهل السنة وعلمائها ، فهم يعرفون قدره وجهده وعمله ويقدرون غيرته على التوحيد والسنة ، ويكنون له محبة عظيمة ، فهذا الإمام محمد بن إبراهيم - رحمه الله - يقول عنه في تزكية للشيخ عبد الله صدرت من مكتب سماحته الخاص في 23-10-1378هـ: (فحامل خطابي هذا الشيخ عبد الله بن سعدي العبدلي الغامدي قد تصدى للدعوة إلى الله وتعليم الجهال أمر دينهم ، ومعرفة ما أوجب الله من التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له ، والتحذير مما ينافي ذلك من الشرك الأكبر أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ، ومن البدع القادحة فيه ، ومن المعاصي المنقصة لثواب أهله ، نسأل الله أن يمنحه التوفيق وأن يهدينا وإياه صراطه المستقيم ، وأن ينفعه وينفع به ، ويوفق قضاة المسلمين وأمرائهم إلى القيام معه ومع جميع الدعاة إلى الله يما يجب من بذل زكاة ما منّ الله به عليهم من القدرة ، وذلك بمساعدتهم نحو أداء هذه المهمة النبيلة(...
وقال عنه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز المتوفى سنة 1420هـ - رحمه الله - في مقدمته لكتاب عقيدة الموحدين (قد تقدم إليّ الأخ في الله فضيلة الشيخ عبد الله بن سعدي الغامدي ، وهو معروف بصدقه وأمانته ، وغيرته الدينية ووقوفه ضد الخرافات والأعمال الشركية والبدع ونحوها ، وذبه عن العقيدة الإسلامية ، والدعوة اليها ومكافحة ما يخالفها.)
مؤلفاته :
كان للشيخ - رحمه الله - مؤلفات مفيدة جيدة في بابها ، هذا مع انشغاله بالدعوة إلى التوحيد والسنة فمن مؤلفاته المطبوعة:
-عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين ، وهو مجموع نفيس في مسألتي تكفير المعين ، وعدم العذر بالجهل في مسائل التوحيد والشرك ، وهو بتقديم ابن باز - رحمه الله - .
- الإيضاحات السلفية لبعض المنكرات والخرافات الوثنية المنتشرة في قضاء الظفير ، وهو كتاب جمع فيه المنكرات الشركية والبدعية والخرافية في مقاطعة الظفير ، وهي منطقة الباحة حالياً ، وكانت تنسب إلى بلد الظفير ، لأنها عاصمتها آنذاك ، وقد طهرت بلاد الباحة - ولله الحمد - من هذه الأمور - بفضل من الله - ثم بدعوة الشيخ ابن سعدي المدعومة من ولاة أمورنا - جزاهم الله خيراً -.
- الأخطاء الأساسية في العقيدة وتوحيد الألوهية من كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري.
- البرهان في تحريم الدخان:
رحم الله الشيخ عبد الله رحمة واسعة ، وأسكنه بحبوحة فردوسه ، وأصلح عقبه ، والحمد لله رب العالمين.


عدد الزيارات:  6047  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2018 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض