الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

قال الإمام أحمد: من تأول حديث الصورة فهو جهمي

خلف

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فإنه لا يفلح في هذا الدين الا من حقق شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله وانقاد واستسلم بمحبة وإخلاص وقبول. ومن شهادة أن محمداً رسول الله تصديقه فيما أخبر.
وكان فيما أخبر به عليه الصلاة والسلام أن الله خلق اّدم على صورة الرحمن فأهل التوحيد والسنة استقبلوا هذا الحديث بمحبة وتسليم وانقياد،وأثبتوا معناه دون تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل،وأجروه مجرى أحاديث الصفات وليس هو بأعجب من إثبات القدم والأصابع والساق وغير ذلك لرب العالمين على ما يليق بجلاله.
ووجدت طائفة أخرى حرفت معنى هذا الحديث وثقل عليها.
الجيل الأول ممن حرف حديث الصورة: أول من حرف معنى هذا الحديث فيما نقل إلينا من غير الجهمية المحضة هو أبو ثور الفقيه من كبار أصحاب الشافعي واشتد إنكار الأئمة عليه. روى أبو طالب قال : قال لي أحمد بن حنبل: صح الأمر على أبي ثور. من قال إن الله خلق اّدم على صورة اّدم فهو جهمي.وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه ؟! وروى الخلال عن أبي طالب من وجهين قال : سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال إن الله خلق اّدم على صورة اّدم فهو جهمي وأي صورة كانت لاّدم قبل أن يخلقه ؟! وروى الخلال عن المروذي قال : أظن أني ذكرت لأبي عبدالله عن بعض المحدثين بالبصرة أنه قال: على صورتة؛أي صورة الطين قال: هذا جهمي نسلم الخبركما جاء. وقال محمد بن جعفر سألت عبدالوهاب الوراق - من كبار أصحاب أحمد - عن أبي ثور فقال:أتدّين فيه بماحدثني أبو طالب عن أبي عبدالله أنه قال: يُجفى وُيجفى من أفتى برأيه. وقال عبدالوهاب غير مرة: أبو ثور جهمي ، وقال مرة: ما أدين فيه إلا بقول أحمد يُهجر أبو ثور ومن قال بقوله.
تأمل أخي القارئ هذه المواقف الناصعة من السلف مع رجل معدود من أكابر الفقهاء كل ذلك فعلوه لحماية جناب التوحيد والسنة. فهكذا كانت مواقف السلف وكان من ابتدع في عصرهم يعيش غاية الرعب من الإحداث في دين الله ثم صرنا إلى زمان أصبح الموحد السنّي هو الذي يعيش الرعب لو همّ بأن يقول كما قال أحمد وأمثاله في مبتدعة عصره فالله المستعان فهذه هي السنين الخداعة التي أخبر بها نبينا عليه الصلاة والسلام وأنه يصدّق فيها الكاذب ويكذّب فيها الصادق.
الجيل الثاني ممن تأول حديث الصورة: ثم أظهر ابن خزيمة تحريف حديث الصورة وهو دون أبي ثور في العلم والمنزلة وأنكر ذلك عليه علماء عصره وعدوا ذلك من زلاته الكبار وإن لم يبلغوا في الإنكار عُشر إنكار السلف لأنه ما يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه.
الجيل الثالث ممن تأول حديث الصورة: وفي عصرنا أظهر بعض المعاصرين كالألباني وغيره تحريف حديث الصورة وكان التعامل مع هذا التحريف أضعف بكثير كثير من التعامل مع ابن خزيمة فضلاً عن تعامل السلف مع أبي ثور حاشا ما كتبه الشيخ حمود التويجري وإخوانه من بقايا أهل التوحيد والسنة.
وعادة المتأخرين المعاصرين إذا فاجأتهم المسائل الكبار التي لم يتعودوا عليها ولا يريدون الانقياد لها رغم وضوحها أن يستقبلوها بالأمور التالية:
أولاً: أن يزعموا أن المسألة خلافية بين العلماء ولا يشدد فيها الإنكار ثم يؤول بهم الأمر إلى أن يكون مذهب الصحابة والتابعين هو الشاذ الضعيف ومذهب الأكثر هو التحريف كما صنع ابن حجر في شرحه للبخاري فقد قال: في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: قول الأكثر أن الضمير يعود على المضروب أي خلق اّدم على صورة المضروب. القول الثاني: أن الضمير يعود إلى اّدم وهذا محتمل. القول الثالث: أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكاً بما ورد في بعض طرقه ( أن الله خلق اّدم على صورة الرحمن) انتهى. واللفظ الأخير الذي وهنه ابن حجر صححه أحمد وإسحاق وغيرهم ممن لا يقترب ابن حجر من عشر معشارهم في العلم بالتصحيح والتضعيف.
والعجيب من ابن حجر أنه لم يحك سوى ثلاثة أقوال فقط !!! لأن عادته أن تصل الأقوال في بعض المسائل إلى أربعين قولاً ؛فكل ماقيل من القرون الفاضلة إلى وقته ينصبه قولاً ولو كان من زبالات الأراء ونتائج الأذهان الكليلة، حتى يخرج القارئ من هذه الكتب وهولا يعرف شيئاً من الدين قد أُجمع عليه، حتى وصل الأمر إلى عصرنا فأصبح الشرك وتكفير المشرك من المسائل الخلافية، وترك الصلاة من المسائل الخلافية بل يقولون: الجمهور على عدم تكفير تاركها، وإجماع الصحابة والتابعين على كفره هو القول الشاذ الذي ينسب إلى بعضهم!!! والقول بأن العمل ليس من الإيمان بل هو من الكمال هذا يعد من أقوال أهل السنة في عصرنا وهكذا يهدم الدين ويضل الناس.
ولذا فكل مسألة عرفها أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام والقرون الفاضلة ولم يختلفوا فيها فحكاية الخلاف فيها لا يساوي بعرة إنما هو خلاف لسبيلهم وطريقهم.
وراجع كلاماً نفيساً عن ابن حجر وطريقته في عرض الخلاف للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في رسالته لابن عبد اللطيف الأحسائي،وكذلك في رسالة الشيخ حمد بن عتيق للشيخ صديق.
ثانياً: أن يستقبلوا هذه المسائل بالتقعيدات الفارغة التي هي أشبه بزخرف القول الذي تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ويرضوه ويقترفوا ماهم مقترفون. ومن ذلك ماصنعه الذهبي في كتابه السير في ترجمة ابن خزيمة حيث قال عنه :( وقد تأول حديث الصورة فليعذر من تأول بعض الصفات ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه وبدعناه لقلّ من يسلم من الأئمة معنا)أ.هـ
فقارن أولاً بين كلامه وكلام أحمد المتقدم وأنظر أي الفريقين أهدى سبيلاً.
وثانياً: يقال: ستسلم لنا القرون الفاضلة التي لم يوصِ نبينا إلا بهم وسيسلم لنا الذين ساروا على سبيلهم واتبعوهم بإحسان في كل جيل وهم الطائفة المنصورة أليس في هؤلاء مقنع؟!.
وثالثاً: قوله أخطأ في اجتهاده مع توخيه الحق يقال ليس هذا مجال الاجتهاد بل الاتباع والتسليم.
ورابعاً:ابن خزيمة رحمه الله لم تعرف له إلا هذه الزلة وليس هو من محرفة الصفات كالأشاعرة وغيرهم فالرجل ليس على أصولهم في تحريف الكلم عن مواضعه بل على أصول أهل السنة إلا في هذه المسألة. وانتزاع قاعدة من موقفه وهي ( فليعذر من تأول بعض الصفات) لا تصلح ولا تليق هنا.
وقد سئل الإمام الراسخ عبدالعزيز بن باز في شريط الدمعة البازية عن الذهبي فقال(ليس هو من أهل البصيرة هو من الوسط له عناية بالمصطلح ونحوه). لكن في عصرنا جُعلت قواعده المنثورة في سِيره، المخالفة لقواعد السلف كأنها وحي يوحى وبهذا ضلّ أكثر الناس.
ثالثاً: قد يستقبل بعض المعاصرين موقف أحمد رحمه الله باتهامه بأن عنده غلو وتشدد وتسرع في التبديع وقد ينحت لهم الشيطان مصطلح (تبديعي) كما نحت لهم مصطلح( تكفيري) حتى يعم من يكفر أو يبدع بحق ومن يفعل ذلك بغير حق. وهذا فعلوه مع الإمام محمد بن عبدالوهاب. فلما لم يفهموا الإسلام والشرك اتهموا هذا الإمام بأن عنده غلوّ وتسرّع في التكفير. وهم لا يميزون بين تكفير المسلم وتكفير المشرك وتبديع المبتدع وتبديع السنّي.
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم
وهذان الرجلان أحمد بن حنبل ومحمد بن عبدالوهاب أكثر رجلين يبغضهما كل من في قلبه مرض عبر التاريخ ويقبلون كل أحدٍ سواهما وما ذاك إلا لثقلِ الحق الذي معهما وشدة مشابهتهما لتلك القرون الفاضلة التي اندرست علومها عند أكثر المتأخرين.
رابعاً: يستقبل بعض أهل عصرنا هذه المسائل بقوله ( مالكم ولها!! دعوها ولا تبحثوها) وربما احتج بأثر ابن مسعود ( ما أنت بمحدّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) فيقال له: أتدري ماالفتنة؟! الفتنة أن تستقبل مالم يبلغه عقلك بالتعطيل والتحريف ، وقد كان الواجب عليك أن تستقبله بالانقياد والتسليم فإن الذي ابتلى جوارحك يبتلي عقلك لينظر كيف تعمل وكيف تتصرف وهو أعلم بك. ثم إننا في زمن انفتح الشر فيه من كل جانب فما لم يسمعوا هذه المسائل من أهل السنة فسيسمعوها في القنوات والأشرطة والمواقع والكتب من أهل البدع وتسبق إلى قلوبهم وتعلق بها.
وعلى كل حال من تأمل هذه المسألة وتأمل كيف تعامل معها المتقدمون والمتأخرون، وكان لله به عناية وتوفيق وأعطاه البصيرة والتحقيق، ولم يتخذ العلماء ولا غيرهم أرباباً من دون الله ، انفتح له باب عظيم في فهم كثير من المسائل، ومن أصلح مابينه وبين الله وقصد الله صادقاً صلح له كل شئ واستقامت له الأمور وذهب عنه الإضطراب والتناقض، ومن لا فهو في أمر مريج وربما خرج من دينه بالتدريج وسيقف محتاراً بين تفضيل الحق وتفضيل الرجال في صراعٍ بين نفسه الأمارة بالسوء وبين قلبه الذي يميل للحق لو سلم من المعارض.
وبالله التوفيق ومنه المعونة وصلى الله على نبينا محمد.


عدد الزيارات:  4263  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض