الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

إثبات أن مذهب المرجئة الحالي هو المذهب الغالي

خلف


إثبات أن مذهب المرجئة الحالي هو المذهب الغالي

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد انتشر في زماننا هذا مذهب الإرجاء الغالي جداً وتولى كبره أناس يزعمون أنهم سلفيون وأنهم من أتباع السلف ،والمذهب الذي يجتهدون في نشره يقوم على أركان ثلاثة وهي:
الركن الأول: أن تارك التوحيد المواظب على فعل الشرك الأكبر إذا كان جاهلاً بأن الله هو المستحق للعبادة وحده أو كان مقلداً لشيوخه أو متأولاً فإنه لا يعذر بجهله فحسب،بل إنه يعد من المسلمين ويصلى خلفه ويزوّج من المؤمنات وتؤكل ذبيحته وغير ذلك من أحكام المسلمين، ويزعمون أن شهادة التوحيد يكفي فيها اللفظ دون معناها وشروطها ومقتضاها،فمن لفظها بلسانه فقد دخل الإسلام بيقين، حتى قال بعض هؤلاء وهو من أهل الرياض بمحضر جمع من طلبة العلم: (من قال:وما الكلب والخنـزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في صومعة (قول الاتحادية) فهو مسلم له أحكام المسلمين ما دام قد لفظ كلمة التوحيد بلسانه). وهذا غاية الغلو ولا أعلم في التاريخ من وصل إلى هذه الدرجة من الغلو إلا أن يكون أعداء التوحيد وقت الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذين زعموا أن من لفظ الكلمة ولو فعل ألف ناقض فإنه مسلم حرام الدم والمال وشنعوا على الشيخ وزعموا أنه يكفر المسلمين ويقاتلهم وأنه من الخوارج. وتقدم الرد على هذا في مقالات سابقة.
الركن الثاني: أن تارك الصلاة المواظب على تركها طوال دهره لا يركع لله ركعة فهو مسلم موحد يعامل معاملة المسلمين ما دام لم يجحدها بقلبه. وهذا مخالف لإجماع القرون الفاضلة وللنصوص الصريحة الواضحة، وللحديث عن هذا الغلو مقال قادم.
الركن الثالث: لما سقطت الصلاة عندهم وهي عمود الدين وقعوا في أمر مريج فرأوا أن أنسب الحلول للخروج من هذا المأزق أن يُسقطوا عمل الجوارح بالكلية ويزعموا أنه شرط كمال لا يؤثر تركه في الإيمان، وصرحوا بأن من لم يعمل خيراً قط مع القدرة فهو مؤمن من أهل الجنة. وأخذوا يدندنون أن الإيمان هو التصديق وأن الكفر هو التكذيب والجحود فحسب،وأن السجود للصنم وإهانة المصحف ونحو ذلك هو علامة للكفر وليس هو عين الكفر.
فهم في التقرير يقولون ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) وعند التحقيق يقولون: العمل من الكماليات التي لا يسلب تركها بالكلية الإيمان.
واليك -أخي الكريم- بعض كلام السلف-رحمهم الله- في إثبات أن مذهب المرجئة الحالي في هذا الركن الثالث من مذهبهم هو المذهب الغالي:
1- قال الإمام الحُميدي رحمه الله ت261هـ:
(أُخبرت أن أناساً يقولون : من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً ... فقلتُ : هذا الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وفعل المسلمين) أخرجه الخلال في كتاب السنة 3/586 برقم (1027)
2- ثم قال حنبل : (قال أبو عبد الله (أي الإمام احمد):
( من قال هذا فقد كفر بالله ،ورد على الله أمـره،وعلى الرسول ما جـاء به) وأخرجـه اللالكائي 5/887 برقم (1094) .
3-قال الإمام اسحـق بن راهوية:
( غلت المرجـئة ؛ حتى صار من قولهم أن قوماً يقولون : من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضـان والزكـاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها أنا لا نكفره ، يرجأ امره الى الله، بعد إذ هو مقر ، فهؤلاء الذين لا شـك فيهم) انظر فتح الباري لابن رجـب الحنبلي 1/21.
ومراده بقوله(لا شك فيهم) إما لا شـك في كفرهم كما جاء في بقية الآثـار وإما لا شك في إرجـائهم.
4- وقال شـيخ الأئمة الإمام الكبير سـفيان بن عيينة رحمه الله ت197هـ: ( المرجـئة أوجبوا الجنة لمن شهد ألا إله إلا الله مصراً بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنباً بمنـزلة ركوب المحارم، وليس بسواء ، لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصـية،وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر،وبيان ذلك في امر آدم عليه السلام وابليس وعلماء اليهود ... فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء،وأما ترك الفرائض جحوداً فهو كفر مثل كفر إبليس-لعنه الله-،وأما تركها عن معرفة من غير جحود فهو كفر مثل كفر علماء اليهود) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة 1/347 برقم (745).
5- وفي كلمة معبرة للإمام أحمد عندما سـأله حمدان الوراق عن المرجـئة فقال:
(المرجئة تقول:حتى يتكلم بلسـانه وإن لم تعمل جوارحـه ... قلت: فالمرجـئة لمَ كانوا يجتهدون (أي في الأعمال) وهذا قولهم ؟! قال: البلاء) عافانا الله مما بلاهم .أخرجه الخلال في السنة 3/570 برقم (980).
6- ولما قال شبابة بن سوار:(إذا قال فقد عمل بجارحته -أي بلسانه – أي فقوله بلسانه يغنيه عن أعمال الجوارح،قال الإمام أحمد (حكي عن شـبابه قول أخبث من هذه الأقاويل ما سمعت عن احد مثله) أخرجه الخلال في السنة 3/570 برقم (982) .
7- ويوجد أثر طويل جداً نافع جداً في الإرجاء وأن أساسه التهوين من شأن العمل،نقله الإمام احمد عن الفضيل بن عياض: قال الفضيل في آخره (قد بينتُ لك إلا أن تكون أعمى) رواه في السنة للخلال 1/374 – 376 .
8- وتوجد قصة نافعة جداً لأهل السنة السلفيين حقاً؛فعندما اظهر سالم الافطس الإرجاء قبل أن يـيسر الله من يقتله بعد ذلك صبراً سنة 132هـ دار الشـباب السلفي ذلك الوقت على علماء الأمصار للسؤال عن ذلك وفيها درر ونفائس وأول القصة : (قال معقل بن عبيد الله الجزري : قدم علينا سالم الافطس في الجزيرة بالإرجـاء،فعرضه فنفر أصحابنا- أي السلفيون- منه نفاراً شـديداً وكان أشـدهم ميمون بن مهران وعبد الكريم الجزري؛فأما عبد الكريم فإنه عاهد الله ألا يؤويه وإياه سقف بيت إلا المسجد... قال معقل وحججت فدخلت على عطـاء بن أبي رباح..) القصة بطولها في السنة لعبد الله بن احمد 1/382 برقم (831) ومن طريقه الخلال وابن بطة في كتابيهما.
9- وقال فرات بن سليمان : انتهينا مع ميمون بن مهران إلى دير القائم فنظر إلى الراهب فقال لأصحابه : أفيكم من يبلغ من العبادة ما بلغ هذا الراهب ؟ قالوا : لا ، قال : فما ينفعه ذلك إن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم؟! ، قالوا : لا ينفعه شـيء ،قال : كذلك لا ينفع قول بلا عمل).
وهذا من حرص العلماء على تحصـين الشباب إذا انتشرت بأرضهم الفتن والمحدثات؛فإن مثال هذا الراهب لن يغيب عن أذهانهم كلما ذكرت المرجئة الملعونة.
10- وقال الإمام الكبير عطاء بن أبي رباح مفتي الحرم ت 114هـ رحمه الله: قال تعالى :(ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن) فألزم الاسم العمل وألزم العمل الاسم) انظر الإبانة لابن بطة 2/897 برقم (1251).
11- وقال الإمام الكبير إمام الشـام الأوزاعي رحمه الله ت 157 هـ:
(كان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل؛ الإيمان من العمل والعمل من الإيمان ،وإنما الإيمان اسم جامع كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل ... ويقولون (أي المرجـئة) ... إن الإيمان قد يطلب بلا عمل). 12- وقال ابن خزيمة رحمه الله ت 311هـ مبيناً معنى الحديث الذي تلقفته المرجـئة الأوائل والمعاصـرون وظـنوه يساعدهم في أن العمل شرط كمال فقال:(هذه اللفظـة "لم يعملوا خيراً قط" من الجنس الذي تقوله العرب فتنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن التمام والكمال فمعنى هذه اللفظة على هذا الاصل (لم يعملوا خيراً قط على التمام والكمال لا على ما أوجـب عليه) وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي) التوحيد لابن خزيمة 2/732 .
قلت:ومن هذا الجنس (ارجع فصل فإنك لم تصل)،وحديث قاتل المائة حيث قالت ملائكة العذاب (لم يعمل خيرا قط)، ومنه قول العرب للفاسق (لا خير فـيه) ونحو ذلك.
13- وقال الملطي الشـافعي رحمه الله ت (377) في كتابه (التنبيه والرد على أهل الاهواء والبدع) – وهو كتاب نفيس- قال : (باب ذكر المرجئة – وقد ذكرتُ المرجئة في كتابنا هذا اولاً وآخراً إذ قولها خارج من التعارف والعقل!!.. ألا ترى أن منهم من يقول : من قال لا اله إلا الله محمد رسول الله وحرم ما حرم الله وأحل ما أحل الله دخل الجنة إذا مات وان زنى وان سرق ... وان ترك الصلاة والزكاة والصيام إذا كان مقراً بها يسوف التوبة).
فعد قولهم هذا خارجاً عن عرف العلماء وعقل العقلاء وأقام عليهم حججاً عقلية وهذا هو بعينه القول الذي عم وطم في زماننا .
14- وذكر أهل الفرق أن الفرقة الحادية عشـرة من المرجـئة أصحـاب بشر المريسي وابن الراوندي يقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب واللسـان بلا عمل والكفر هو التكذيب والجحود القلبي ومن سجد للصنم أو سب الله فهذه دلالة على الكفر وليست كفراً.
وهذا غاية الانحراف والغلو وهو قول مرجئة عصرنا ، (انظر الفرق بين الفرق لعبد القاهر ومقالات الاسلاميين(1/222) .
15- قال الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ت 1206هـ:
(لا خلاف أن التوحـيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً ) .
16- وقد اتبع علماء عصرنا سبيل السلف في ذلك فقد قال الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله:
(العمل ما هو بشرط كمال هو جزء من الإيمان هذا قول المرجئة )مقابلة مع مجلة المشكـاة عام 1417هـ .
17- وقال الشيخ صالح الفوزان عن أقوال مرجئة العصر إن أقوالهم هذه هي قول غلاة الجهمية .راجع المقطع المنشور في هذا الموقع.
نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين ، ويخزي عدوهم ومن أراد إفساد عقيدتهم وبالله التوفيق ومنه المعونة وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


عدد الزيارات:  5353  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض