الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

(الحكم بغير ما أنزل الله بين المنافقين والفاسقين)

خلف

(الحكم بغير ما أنزل الله بين المنافقين والفاسقين)

(تنبيه :تحسن طباعة هذا الكلام وقراءته على الورق بتؤدة وأناة شديدة وكثرة التأمل فيه)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد،

فإن مسألة (الحكم بغير ما أنزل الله) هي أول مسألة ضلت فيها طوائف من هذه الأمة واتبعت المتشابه، وبسببها كفَّروا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتلوه، ولن يزال الحديث فيها والنقاش متصلًا ما بقيت فرقتا الخوارج والمرجئة، وهما لن يذهبا إلا بذهاب المسيح الدجال- كما جاء في الآثار-وأما أهل التوحيد فإنها واضحة عندهم لا لبس فيها.

وهي مسألة خطيرة من فروع مسألة: (الأسماء والأحكام) الشهيرة؛ سواء أسماء الدُور التي يُحكم فيها بغير ما أنزل الله وأحكامها، أو أسماء الأشخاص- حكامًا كانوا أو قضاة أو متحاكمين- وأحكامهم، وما يتعلق بذلك من الهجرة والجهاد والولاء والبراء والمناكحة والموارثة والصلاة وغير ذلك.

وأحب أن أُلخص بعض القواعد في هذه المسألة في المسائل الآتية:

المسألة الأولى: عرَّف الله تعالى الشرك؛ فقال: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ) [النحل:35] وقال: (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُون - تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين - إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِين) [الشعراء:98] وعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) فمن جعل أحدًا مع الله ندًا؛ له حق التشريع والإلزام والحكم بين عباد الله بما يرى ويستحسن ورضي بذلك واعتقد أن حكمه أحسن من حكم الله أو مثله أو يجوز العمل به؛ فقد أشرك الشرك الأكبر وعبد هذا الند من دون الله؛ قال تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون) [يوسف:40] وقال تعالى: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون) [التوبة:31] مع تفسير رسول الله rلها في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه. وقال تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُون) [الأنعام:121] وقال: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين) [الأعراف:54]

فهذا ما يتعلق بأصل المسألة وهو منازعة الله في حقه الخالص وهذا لا نزاع فيه وأمره جلي كالشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر، ليس دونهما سحاب إنما النزاع في المسألة الثانية:

المسألة الثانية: مَن لم ينازع الله في حقه ولم يتخذ له ندًا في التشريع والإلزام يجعل حكمه كحكم الله أو أحسن، لكنه ترك الحكم بما أنزل الله لخوف أو هوى أو تأويل أو تقصير أو تقليد أو غير ذلك من الأمور سواء كان التارك سلطانًا أو قاضيًا أو مسلمًا عاديًا ترك الحكم بين أولاده وبناته بالعدل مثلًا. فهل حكم هذا الترك كحكم ترك التوحيد؛ يكفر صاحبه مطلقًا ولا يقبل اعتذاره بجهل أو تأويل أو خوف، أو أنَّ تطبيق الحكم عبادة من آثار التوحيد كغيرها من العبادات التي قال عنها التابعون:

(لم يكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) فهل هذا التارك كتارك التوحيد أو كتارك الصيام والحج مثلًا دون جحود لوجوبها مع أن الجميع عبادة. وهل هذا هو مغزى ابن عباس رضي الله عنهما عندما قال عن كفر هذا التارك: كفر دون كفر وقال: ليس كالكفر بالله وآياته ورسله.

وأيضا رد ابن عباس رضي الله عنهما على تكفير الخوارج لعلي رضي الله عنه بسبب أنه حكَّم الرجال في دين الله؛ والله يقول: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ).فردّ عليهم بأن الله أمر بتحكيم الرجال في دينه في الهدي وفي الإصلاح بين الزوجين وفي غيرهما؛ فالحكم بما أنزل الله: منه ما فيه نص لا يحل تجاوزه، ومنه ما وكل إلى الرجال بضوابطه، وهذا لا يمكن وجوده في الشرك الأكبر فليس فيه مثقال ذرة مما هو محل اجتهاد، بل لو أن عبدًا أشرك مع الله مثقال ذرة لرُدَّ عمله، فدل على الفرق بين الأمرين.

ومن تأمل الأمر وآثاره تيقن أن تارك الحكم تركًا مجردًا من غير منازعة ولا تفضيل ولا استحلال كتارك الحج كفره دون الكفر الأكبر المخرج من الملة؛ لأن ترك التوحيد وفعل الشرك لا يكون إلا بتعظيمٍ للنِّد المجعول مع الله أو استهتار بالتوحيد، ولذا سمي تارك الصلاة مشركًا كافرًا، بخلاف تارك الحج وتارك الحكم قد لا يصحبه تعظيم أحد غير الله ولا استهتار بالتوحيد، فليس من ذبح لغير الله أو استغاث بغير الله كقاضٍ حكم لقريبه بغير حكم الله،أو رجلٍ فضَّل بعض ولده على بعض في العطية أو الميراث وترك حكم الله وحَكَم بينهم بهواه. ومن تأمل عرف الفرق، وتبقى المسألة الثالثة:

المسألة الثالثة: كيف نعرف الفرق بين من وقع في المسألة الأولى فنازع الله في حقه فكفر كفرًا أكبر، ومن وقع في المسألة الثانية فترك الحكم بما أنزل الله فصار كفره دون كفر.

من الناس من كفَّر النوعين، وقد يوجد من غلاة المرجئة من لا يُكفِّر النوعين،ومنهم من قال: لانعرف أنه وقع في النوع الأول إلا إذا صرح بلسانه،ومنهم من زاد على اللسان ما لو كان عمله ظاهر الدلالة على ما في قلبه، ومنهم من فرَّق بين الحكم في مسألة فردية ومسألة عامة، ومنهم من فرَّق بين التخضيع والإلزام وغيره، ومنهم من فرَّق بين صدور المسألة من سلطان أو من فرد أفراد الناس، ومنهم من فرَّق بين من جاء إلى شرع الله وهو قائم فاستبدله بغيره وبين من جاء ووجد شرعًا مبدلًا من قبله فاستمر عليه، وذكروا أشياء؛ وكل هذه الفروق إنما هي قرائن لترجيح أحد الاحتمالين، وهي تحتاج إلى أدلة واضحة لتكون مرجحًا فاصلًا قاطعًا لاسيما والمسألة تتعلق بإيمان وكفر. ولن تتضح الصورة إلا بالمسألة الرابعة:

المسألة الرابعة: من تدبر (التحكيم) المكفِّر في كتاب الله (والتولي) المكفِّر في كتاب الله-وقد جاءت آياتهما متتابعة في سورة المائدة-؛ وجد أن الله جعلهما من أوصاف المنافقين نفاقًا أكبر مخرجًا من الملة؛ الذي يتميز صاحبه ببغض الإسلام وأهله، ومحبة الكفر وأهله وتفضيلهم على المسلمين وتفضيل دينهم والركون إليهم والفرح بانتصارهم على المسلمين؛ كحال المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال إخوانهم إلى يوم القيامة. فبدأ الله آيات التحكيم بقوله: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) [المائدة:41] وقال في التولي المكفر: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين- فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ) [المائدة:52] بل تأمل قول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا- وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) [النساء:61]ويا سبحان الله ألم تقف عند قوله: يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ ولم يقل: (يتحاكمون إلى الطاغوت) فجعل فعلهم ناتجاً عن إرادة جازمة وإصرار وتصميم،وبين أنه يعلم ما في قلوبهم أي من النفاق الأكبر.

فَفَرِّقْ -وفقك الله- بين ترك المنافقين وترك الفاسقين، ولا تنّزل ما أنزله الله في المنافقين الكافرين على المسلمين المقصرين فتفعل فعل الحرورية المارقين كما قال ابن عباس حبر المسلمين، وبالله نستعين.

وتدبر أوصاف المنافقين في القرآن -وما أكثرها- وعلاقتهم بالكافرين وركونهم إلى دينهم وبغضهم لدين المسلمين، والرغبة العارمة في ظهورهم على المسلمين ثم آثار ذلك من التولي والتحكيم الصادر عنهم، ولا تجعل كفر التارك الذي لم يظهر منه نفاق أكبر ككفر هؤلاء؛ فكل شيء له حدود وقد ذم الله الأعراب بقوله: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم) [التوبة:97] ومما يزيد ذلك توضيحًا المسألة الخامسة:

المسألة الخامسة: مما يعينك على فهم الآيات معرفة بيئتها وظرفها وسببها الذي نزلت لأجله، فآيات التحكيم نزلت بسبب يهود غيّروا حكم الله في رجم الزاني،وتراضوا على غيره وفضلوه على حكم الله وغيروا حكم الله وهو عندهم في التوراة،واتخذوا أحبارهم أربابًا من دون الله؛فنزلت فيهم وفيمن شابههم من هذه الأمة آيات التحكيم، كذلك آيات التولي المكفر نزلت في منافقين كفار يحبون ظهور الكفر والكفار على التوحيد وأهله، فهي فيهم وفيمن شابههم إلى يوم القيامة،لكنها ليست في موحدين مقصِّرين لم يظهر منهم نفاق أكبر كحاطب رضي الله عنه، فإنه فعله فعل منافقين؛ولذا بادر عمر وغيره لوصفه بذلك حتى نفى عن نفسه هذه التهمة. وعند التطبيق سيظهر بعض الالتباس هل هذا صدر من منافق أو من فاسق، لكن المهم الإمساك بطرف الخيط والتفريق بين النوعين ومع التدبر يتبين الفرق بإذن الله، وإن كانت بعض الصور أوضح من بعض، فمثلاً الذي عرض عليه التحاكم إلى رسول الله فقال بل إلى فلان اليهودي دون موانع هذا من التحكيم المكفر ؛ ولذا قتله عمر دون مشاورة، ومثله الذين قاتلوا رسول الله ووقفوا في صفوف المشركين هذا من التولي المكفر وهكذا تتضح الصور رويداً رويداً، وويبين هذا تتبع أوصاف المنافقين في القرآن العظيم.

ونختم بالمسألة السادسة والسابعة:

المسألة السادسة: يجب على كل موحد إذا تكلم في التوحيد أن يجعل حيزًا كبيرًا من دروسه وخطبه للحديث عن الإشراك مع الله في التشريع والحكم واتخاذ ندًا له في ذلك،ولا يزهد ولا يمَّل ولا يكل؛خاصة في هذا الزمن الذي ارتخت فيه قبضةُ الدين وانحلت عُراه،وذهب أهله العالمون به، وبقيت حُثالة كحثالة الشعير لا يبالي الله بهم،وانتشر التهاون بالشرع المطهر والاستهتار به واستثقاله،ولا يهولنه تشويه الخوارج والمرجئة لهذا الأصل؛ فإنها بضاعتكم أهل التوحيد!! فانفوا عن دين الله تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتوكلوا على الله،وكفى بالله وكيلا.

المسألة السابعة: يجب على كل موحد ألا يقرأ أبحاث الخوارج والمرجئة وشبهاتهم في هذه المسألة فإنهم قوم سوء كذبة إذا تولوا السلطة أتوا بالعجائب قديمًا وحديثًا؛ إنما يجعلون الدين مطية لأهوائهم يُكفِّرون بهذه المسألة من أرادوا ولا يُكفِّرون بها من أرادوا من أحزابهم وقبائلهم وأهلهم، فتجدهم مثلًا لا يُكفِّرون (حماس) أو (طالبان) بالحكم بغير ما أنزل الله لأنهم من حزبهم ولا يكفرون طواغيت قبائلهم،ثم يُكفِّرون غيرهم فلا تغتر بهم ولا تمكنهم من سمعك ولا بصرك ولا قلبك وإلا فلا تلومن إلا نفسك والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه.

وكتب    عبدالرحمن بن صالح الحجي           22/12/1433


عدد الزيارات:  4165  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض