الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

انقلاب المئة الخامسة ومقدماته

خلف
بسم الله الرحمن الرحيم
انقلاب المئة الخامسة ومقدماته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه) وفسر ذلك ابن مسعود رضي الله عنه فقال: (لا أقول: عام أمطر من عام أو أخصب من عام أو أمير خير من أمير؛ ولكن يذهب علماؤكم ويبقى أقوام يقيسون الأمور بآرائهم؛ فيهدم الإسلام ويثلم) فحال العلماء هو المؤشر الحقيقي لهذه الأمة.ولما نزلت: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) بكى عمر وقال:(ما كَمُل شيء إلا نقص) وما عاش رسولنا  بعدها إلا ثلاثة أشهر، ثم مات؛ وكان موته بداية الانحدار،وموته من علامات الساعة، ثم موت الصديق  كان ثلمة في الإسلام لن تسد أبدًا،ثم موت الفاروق  فقد ذهب معه بتسعة أعشار العلم- كما قال الصحابة- وكان حائطًا حصينًا على الإسلام فلما مات انثلم الحائط،ثم مقتل عثمان الذي افترقت بعده الأمة الافتراق الأعظم إلى قيام الساعة،وتحقق حديث (أعظم الفتن ثلاث؛من نجا منهن نجا؛موتي وقتل خليفة مظلوم والدجال) ثم بانقضاء الخلافة الراشدة وانقراض جمهور الصحابة؛ نقص العلم نقصاً ذريعًا،وكان من عُمِّر من الصحابة؛ كأنس وأبي الدرداء وعبدالله بن عمرو  قد صرحوا بأنهم لم يعودوا يعرفون من أمر الدين شيئًا لم يدخله التغيير،ثم انقرض القرن الثاني سنة ثمانين، والقرن الثالث سنة مئة وعشرين؛ وهو نهاية الأجيال المزكاة بالوحي بمجملها¬-وكل هذه القرون لم يكن بأيديهم كتب البتة؛ إلا بضع مصاحف عند بعضهم-بعد ذلك لم يبق إلا أفراد،وقد وصف سفيان الثوري الحال بعد انقراض القرون الفاضلة فقال:(لما نشأتُ وجدتُ الإسلام قد اندرس كما اندرس وشي الثوب وذهب العلماء فقلت:أحتسب على الله أمر معيشتي وأجمع الآثار لأمة محمد) فكانت المئة الثانية قد نجمت فيها البدع؛ كالقدرية والمرجئة والرأي والخوارج والشيعة، وكان فيهم جهابذة من علماء الإسلام كالأئمة الستة:سفيان ومالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد، ومعهم ابن المبارك والحمادين وابن عون وغيرهم، وكان أول فتق عظيم فتق في الإسلام ولا زال الناس يتجرعون مرارته إلى اليوم،وهو الذي فتح باب الشر على مصراعيه؛ فتق أبي حنيفة لما فتح أبواب الرأي والقياس والاستحسان والحيل والإرجاء والسيف على مصارعها،وقد جاهده علماء عصره بما قدروا، وحذروا من فتنته وأنها ستبقى إلى يوم القيامة،ثم لما دخلت المئة الثالثة حصل الفتق الثاني؛ وقد قص قصته ابن أبي زيد القيرواني فقال: (بنو أمية لم يكن فيهم قط خليفة ابتدع في الإسلام بدعة، وكان أكثر عمالهم وأصحاب ولايتهم: العرب, فلما زالت الخلافة عنهم بالمشرق, ودارت إلى بني العباس قامت دولتهم بالعجم وكانت الرئاسة فيهم,وفي قلوب أكثر الرؤساء منهم الكفر والبغض للعرب ودولة الإسلام؛ فأحدثوا في الإسلام الحوادث التي تؤذن بهلاك الإسلام,ولولا الله تعالى وعد نبيه أن ملته وأهلها هم الظاهرون إلى يوم القيامة لأبطلوا الإسلام,ولكنهم ثلموه وهدوا أركانه والله منجز وعده إن شاء الله تعالى.فأول الحوادث التي أحدثوها: إخراج كتب اليونانية إلى أرض الإسلام، وترجمتها بالعربية فشاعت في أيدي المسلمين،وسبب خروجها من أرض الروم إلى بلد الإسلام: يحيى بن خالد بن بُرمُك؛ وذلك أن كتب اليونانية كانت ببلد الروم، وكان ملك الروم خاف على الروم إن نظروا في كتب اليونانية تركوا دين النصرانية ورجعوا إلى اليونانية؛ فتتشتت كلمتهم وتتفرق جماعتهم،فجمع الكتب في موضع وبنى عليها بناء مطمّسًا بالحجارة والجص؛ حتى لا يوصل إليها،فلما أفضت رئاسة دولة بني العباس إلى يحيى بن خالد وكان زنديقًا؛بلغه خبر الكتب التي في المبنى ببلد الروم، فصانع ملك الروم الذي كان في وقته بالهدايا ولا يلتمس منه حاجة, فلما أكثر عليه جمع الملك بطارقته وقال لهم: إن هذا الرجل خادم العربي، قد أكثر عليَّ من هداياه ولا يطلبني حاجة, وما أراه يلتمس إلا حاجة, وأخاف أن تكون حاجته تشق عليّ وقد شغل بالي, فلما جاءه رسول يحيى, قال له: قل لصاحبك: إن كانت له حاجة فليذكرها، فلما أخبر الرسول يحيى رده إليه،وقال له: حاجتي الكتب التي تحت البناء يرسلها إليّ،أُخرج منها بعض ما أحتاج وأردها إليه،فلما قرأ الرومي كتابه استطار فرحًا، وجمع البطارقة والأساقفة والرهبان, وقال لهم: قد كنت ذكرت لكم عن خادم العربي أنه لا يخلو من حاجة,وقد أفصح بحاجته, وهي أخف الحوائج عليَّ, وقد رأيت رأياً فاسمعوه؛فإن رضيتموه أمضيته,وإن رأيتم خلافه تشاورنا في ذلك حتى تتفق كلمتنا, فقالوا: وما هو؟ قال: حاجته:الكتب اليونانية يستخرج منها ما أحب ويردها، قالوا: فما رأيك؟ قال: قد علمت أنه ما بنى عليها من كان قبلنا إلا أنه خاف إن وقعت في أيدي النصارى وقرأوها؛كانت سببًا في هلاك دينهم وتبديل جماعتهم,وأنا أرى أن أبعث بها إليه,وأسأله أن لا يردها؛ يبتلون بها ونسلم من شرها, فإني لا آمن أن يكون بعدي من يجترئ على إخراجها إلى الناس؛فيقعوا فيما خيف عليهم, فقالوا: نِعم الرأي ما رأيت أيها الملك! فأمضه، فبعث بالكتب إلى يحيى بن خالد، فلما وصلت إليه،جمع عليها كل زنديق وفيلسوف, فمما أخرج منها كتاب: (حدّ المنطق) قال أبو محمد: وقلّ من أمعن النظر فيها وسَلِم من الزندقة،قال أبو محمد: ثم جعل يحيي المناظرة في داره والجدال فيما لا ينبغي؛ فيتكلم كل ذي دين في دينه،ويجادل عليه آمنًا على نفسه)أخرجه الفقيه نصر في كتاب الحجة. فاختلطت علوم الإسلام الصافية بعلوم اليونان والإغريق والكفار، وامتزجت جميع العلوم- سوى الوحي- بذلك امتزاجاً كيمائياً، وتأثرت بها وبالترف الذي عم بلاد الإسلام تأثرًا بالغًا، ومات الإمام أحمد وكان آخر المجاهدين الصديقين الكبار،وبعد موته بدأت الكفة تميل لصالح أهل البدع؛ بسبب تمكين الدولة لهم في المناصب والقضاء، وضعف أهل الحق؛ قال أبو محمد البربهاري: (كان الأمر مستقيماً حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني العباس فانقلب الزمان وتغير الناس جداً،وفشت البدع، وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة، ووقعت المحن في كل شيء، وتُكلم في أشياء لم يتكلم بها رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه،وكفر بعضهم بعضا،..فصارت السنة وأهلها مكتومين..وتكلم الرويبضة في أمر العامة،وطعنوا في آثار الرسول،وأخذوا بالقياس والرأي..فهلكت الأمة من وجوه،وتزندقت من وجوه،وابتدعت من وجوه،إلا من ثبت على أمر الرسول وأمر أصحابه الأول،لم يجاوزهم ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ،بل قلدهم في دينهم واستراح).
ثم في المئة الرابعة: نشأ أشبه الناس بأبي حنيفة في تمويهه وبقاء فتنته إلى يوم القيامة وهو أبو الحسن الأشعري؛ففتق في هذا الدين الفتق الثالث؛ ففتح المصاريع لعلم الكلام؛أولاً بدعوى الرد على المعتزلة-الذين نشأ فيهم أربعين سنة-،ثم أصبح علم الكلام مأذونًا فيه في العقائد والشرائع -والمراد بعلم الكلام: الكلام في الدين _بغير الوحي _ ورد الباطل بالباطل- فألفت فيه المؤلفات، وعظم الخطب واتسع الخرق جداً رغم جهاد بعض العلماء الأفراد.
فما دخلت المئة الخامسة إلا والأمر قد استوى على أشده، والثمار المرة قد أينعت وحان قطافها، وكان التمكين والدولة لأهل البدع والأهواء، فعمت الرخاوة والميوعة في التعامل معهم؛ بسبب ضغط الواقع، إلا من طائفة صغيرة من الأفراد لازالت ترفع صوتها وتحتج وتقوم بأمر الله وهي الطائفة المنصورة،وفي هذه المئة كان الانقلاب الأعظم الذي مهدت له القرون الماضية؛ فوضع القطار على غير سِكّته، فكان شيخ الحنابلة في هذه المئة: القاضي أبو يعلي، وشيخ المالكية: ابن عبدالبر، وشيخ الشافعية: البيهقي، وشيخ الظاهرية: ابن حزم، وشيخ أهل المصطلح: الخطيب البغدادي،وطبقتهم _دعك من الجويني وأمثاله_ وكل هؤلاء كانت سنة وفاتهم متقاربة خلال بضع سنين ما بين سنتي (456 إلى 463هـ).وكل واحد من هؤلاء أثر تأثيراً بالغاً جدًا في مذهبه وفنه،وفي علوم الإسلام قاطبة، وعليهم اعتمد من بعدهم إلى عصرنا اعتماداً كبيراً، بما فيهم علماء المئة الثامنة؛كابن تيمية وطلابه.
ولنأخذ أعلمهم بالآثار والحديث وأجلهم قدرا أنموذجا؛ وهو (ابن عبدالبر) وهو أكثرهم تأثيرًا على من بعده، ولننظر كيف أخذ يقعد القواعد ويضع الأصول التي صارت فيما بعد دينًا يدان الله به، مع أنها سارت مُغرّبة وسار ما كان عليه السلف مُشرّقاً؛وهذه نماذج قليلة جداً من تقعيداته،حيث يقول: 
1- (محكمات القرآن تدل على أنه لا يكفر أحد إلا بعد العلم والعناد) فأسقط كل أنواع الكفار غير المعاندين.
2- وقال: (ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له!!  فكل من ثبت له عقد الإسلام في وقتٍ ما بإجماع من المسلمين،ثم أذنب ذنبًا أو تأول تأويلاً!!، فاختلفوا بعدُ في خروجه من الإسلام- لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها) ومن المعلوم أن الإجماع متعذر،والنص الذي لا يحتمل التأويل قريب منه؛ وبناءً عليه فكل من كفرهم السلف من طوائف البدع فتكفيرهم كان ظلمًا وتعسفًا!!، وكل من تأول تأويلاً أياً كان،ولم يسعه ما وسع الصحابة فهو معذور مهما كان تأويله.
3- وقال عند قول ابن مسعود : (لعن الله الواصلة) قال: (من لعن من يستحق فمباح، ومن ترك اللعن فلم يلعن مسلمًا؛ فذلك من عزم الأمور)!!!.
4- وأثبت النزول والمجيء، ثم قال: (وليس مجيئه حركة ولا زوالاً ولا انتقالاً؛ لأن ذلك لو كان الجائي جسمًا أو جوهرًا وثبت أن الله ليس بجسم ولا جوهر)،وهكذا في كثير من الصفات.
5- وقال: ( إنما الكافر من عاند الحق لا من جهله؛ وهذا قول المتقدمين من العلماء) ولم يفرق بين ما يتصور فيه الجهل وما لا يتصور.
6- وذكر خلاف السلف مع المرجئة في الإيمان، ثم ختمه بقوله: (فهذا ما بين أهل السنة والجماعة في الإيمان أما المعتزلة والخوارج...). فأدخل كل المرجئة في أهل السنة.
7- أما في الرجال؛ فحدث ولا حرج، فمثلاً أبو حنيفة الذي قال فيه مالك وأحمد: (قلب الإسلام ظهرا لبطن،ونقض الإسلام عروة عروة) وقال أبو بكر بن أبي داود لأصحابه: ما تقولون في مسألة: اتفق عليها مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه،  وسفيان الثوري وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه؟ فقالوا له: يا أبا بكر؛ لا تكون مسألة أصح من هذه. فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبي حنيفة) ولما جاء ابن عبد البر قلب الأمر فيه ظهرًا لبطن فقال: (إنما أخذ عليه بعض أهل الحديث!! أنه يرد أحاديث الآحاد ولا يأخذ إلا بما اجتمع عليه!!،وأنه لا يسمي الطاعات إيمانًا،والرجل مع ذلك محسود لفطنته وذكائه) ثم أخذ يسرد الآثار الواهية في تزكيته، ومن جاء بعده إنما عول عليه. فهذه نماذج من الانقلاب الكبير الذي مُهد له عدة قرون،ثم نفذ في المئة الخامسة،ثم صار هو الدين إلى زماننا،فحتى لا يثقل عليك الحق لانقراض أهله، ويخف عليك الباطل لانتشار أهله اعمل بوصية ابن مسعود رضي الله عنه حين قال : (إنكم ستحدثون أو يحدث لكم، فأيما رجل أدرك ذلك أو امرأة؛فعليه بالأمر الأول والسمت الأول).وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه.
وكتب عبدالرحمن بن صالح الحجي
20/ 2/ 1434

عدد الزيارات:  3901  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض