الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

العرب والعلم

خلف

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

العرب والعلم

 

تميزت الأجيال الأولى الفاضلة من أهل هذا الدين بخصائص في العلم انفردوا بها وذلك قبل أن تستفحل العجمة وطرق الأعاجم، وقبل أن يكثر أبناء سبايا الأمم الذين نقلوا حضاراتهم وأديانهم السابقة وخلطوها بالإسلام. ومن أبرز هذه الخصائص والمميزات ما يلي:

أولا: الكراهة الشديدة لكتابة العلم في الكتب، ولذلك بقي المسلمون في القرن الأول قرن الصحابة الذي انقرض جمهوره سنة 40 هجرية، ثم القرن الثاني قرن التابعين الذي انقرض جمهوره سنة 80 هجرية ثم القرن الثالث قرن أتباع التابعين والذين انقرض جمهوره سنة 120 هجرية وما حولها، بقيت هذه الأجيال والقرون الفاضلة دون كتب مع أن الله قد زكاهم في كتابه وعلى لسان رسوله وبين أنهم خير القرون في علمهم وعبادتهم وأمورهم كلها. حتى كتابة السنة إنما أمر بها عمر بن عبد العزيز في أواخر القرن الثالث على رأس المائة الأولى من الهجرة وانقرضت القرون الأولى ولم تنتشر كتب السنة بعد، ولم يكن لديهم من الكتب إلا المصحف عند بعضهم فقط. وأما باقي العلم فهو حي يتفاعل في صدورهم ويتجلى في أعمالهم ويتناقلونه بينهم، ويحذرون أن يذهب نوره إذا بدأت كتابة الكتب. قال الأوزاعي : (كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرجال بينهم فلما كان في بطون الكتب ذهب نوره) وكان من أسباب عدم الكتابة عندهم رغم قدرتهم عليها أمور أعظمها ما يلي

1. أنهم يحذرون مما حل ببني إسرائيل قبلهم فإنهم لما كتبوا الكتب أقبلوا عليها وأشربتها قلوبهم واستلذتها ألسنتهم ونبذوا الوحي وراء ظهورهم وزهدوا فيه، ونحن أشبه الناس ببني إسرائيل. ولذا لما تشبهت بهم هذه الأمة أصبحنا في زمن يبلغ الرجل فيه مبلغ الإفتاء والقضاء والتعليم وهو لم يقرأ الصحيحين فضلا عن تفسير القرآن فضلا عما سوى ذلك. فما فروا منه وقعنا فيه. وهذا السبب تجده طافحا في كلام الصحابة ومن بعدهم وقد عقد له الدارمي في مقدمة سننه بابا نفيسا. والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن ذهاب العلم بذهاب العلماء رغم وجود الكتب فدل أن العلم علم الصدور لا علم السطور فقط. ولذا فإنه بعد تدوين العلم يجب أن نوقن أن مفاتيحه بأيدي الرجال، ومن اعتمد على فهمه وكتابه كان خطؤه أكثر من صوابه.
2. أن كتابة العلم تسبب كثرة الدخلاء عليه ممن لم يفهمه ولم يتقنه وانما اكتفى بهذه الكتب ثم أخذ يؤلف ويعلم وهو لم يعلم حقائق العلم فيزيد من التشويش والتضليل حتى يضعف نور الحق. وأما في زمنهم فلا ينسب رجل للعلم إلا بعد أن يفهمه من أهله ويستبين طريقه فيقل عندهم الشذوذ والتخليط. قال مالك رحمه الله (ما أفتيت حتى سألت سبعين من علماء المدينة هل حلت لي الفتوى قالوا نعم) فهذا من التابعين بإحسان لمنهج أولئك الصفوة.
3. أنها إذا بدأت كتابة العلم سينفجر البحر وتتوالد المؤلفات والكتب عبر الأجيال فبدل أن تقرب العلم تبعده، وبدل أن توضحه تشوشه، ثم تصد الطالب المبتدئ عنه إذا رأى كثرتها وتنوع فنونها ظن أنه لا يحصل العلم إلا بعد إتقانها كلها فربما انقطع وربما حصل شيئا وظن أنه بلغ الغاية.

ثانيا: ومن مميزات القرون الأولى وهي طبيعة عربية أكدها الإسلام ألا وهي كراهتهم لكثرة التنظير والتقنين والتقعيد وتشقيق الكلام. فالعلم عندهم حي ووضعه في قوالب يفقده حيويته ويسبب مفاسد أكثر من مصالح ويؤدي إلى الفهم السقيم له. فهم عن علم بمفاسد ذلك وقفوا، وببصر فذ كفوا. فأتى من بعدهم وظنه نقصا عندهم فوقع مما فروا منه.

ولذلك لم يكتب النقاد الأوائل من أهل الحديث المتبعين بإحسان لتلك القرون كتبا في مصطلح الحديث بمفهومه المتأخر، وإنما كانت آلية التصحيح والتضعيف عندهم يفهمها الطالب عند حديثهم عن الرجال وعن العلل، وبهذا يفهم الطالب أن كل حديث هو بضاعة مستقلة، وأن كل رجل من رجال الإسناد له أحوال في روايته فيكون العلم حيا فيه اعتبار وفيه دقة نظر في العلل وفيه صيرفة ونقد لكل حديث وإدخال السند في نار الإمتحان فمنه ما يخرج ذهبا أحمر ومنه ما هو دون ذلك ومنه ما هو مغشوش. قال يحي بن معين (كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث) وكان يقول (إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش) فكانوا يتساهلون في كتابة الحديث لأجل الاستفادة منه في الاعتبار والعلل ويتشددون في التحديث. وقال أحمد (انتقيت هذا المسند من سبعمائة وخمسين ألف حديث) وقال مثله البخاري عن صحيحه. ولذلك أنى لمن بعدهم أن يقاربهم في هذا الفن فضلا عن أن يكون مثلهم.

وأما المتأخرون فإنهم اشتغلوا بالتنظير والتقعيد وكان فيه فائدة ومصلحة في ضبط بعض العلم ولكن حصل منه مفاسد أعظم، منها أنهم أدخلوا علوما في المصطلح إنما هي عارية أخذوها من الأصوليين وغيرهم وهي لا تؤثر في التصحيح والتضعيف.

ومنها أنه قد جاء من عمل هذه القواعد دون نظر واعتبار فأفسد هذا العلم وشوهه فتجده يقول عن زيادة منكرة نبه أهل الصنعة الحقيقيين على نكارتها يقول (هذه زيادة من ثقة وهو ولو انفرد بالحديث لقبل فكذا إذا انفرد بالزيادة) هكذا بإطلاق ضاربا عرض الحائط بالأمور التي مشى عليها رواد هذا الفن وأهله. وتجده يقول (فلان مدلس وقد عنعن فالحديث ضعيف مطلقا) ثم ربما اكتشف أن في أسانيد الصحيحين مدلسين قد عنعنوا وقبلت روايتهم لأن هذا الحديث بالذات محفوظ عنهم مضبوط.

فعلم الإسناد عند الأوائل أشبه شيء بالكيمياء الحيوية عبارة عن موازين دقيقة أي اختلال فيها يؤثر. وهو عند المتأخرين أشبه شيء بالرياضيات والمعادلات الجامدة دون اعتبار لكل حديث على حدة ولكل رجل على حدة فكأنهم يقولون:

تدليس + عنعنة = ضعف
زيادة + ثقة = صحة وهكذا.

وهذا الخلل في علم المصطلح تجده وأخطر منه في العلوم كعلم الفقه والعقيدة، وعلوم الآلة كعلم الأصول (تقويم الفهم) وعلم النحو (تقويم اللسان) والقواعد الفقهية وغير ذلك.

وضعوا قواعد أشربتها قلوبهم واستلذتها أنفسهم ثم أخذوا يحاكمون النصوص إليها وربما استغنوا بها عن النصوص كما قالوا في القياس والاستحسان والمصلحة والمقاصد والقواعد الفقهية.

يقول ابن تيمية رحمه الله في رسالته الماتعة في الرد على ما قال الفقهاء أنه خلاف القياس من النصوص: إن الفقهاء انعقد في نفوسهم كثيرا من الأقيسة الفاسدة التي ظنوها صحيحة ثم حاكموا النصوص إليها وقالوا إن هذه النصوص خلاف الأصول والقياس وهو إنما هو القياس الفاسد الذي انعقد في نفوسهم، وأما الصحابة فإلى ساعتي هذه ما علمت أنهم قاسوا قياسا إلا وهو موافق للنص) ثم سرد كل المسائل مسألة مسألة وهذه الرسالة في آخر المجلد العشرين لا يستغني عن قراءتها طالب علم ومعها رسالة في نفس المجلد بعنوان صحة مذهب أهل المدينة). وكذلك النحاة قعدوا قواعد ثم ما خالفها من النصوص قالوا إنها لغة شاذة كما قالوا في قوله عليه الصلاة والسلام (يتعاقبون فيكم ملائكة) وهذا من أعجب العجب. وأما الأصوليون فحدث ولا حرج من هذه القواعد والقوانين التي ضل بسببها كثير من الناس مع أن الشافعي القرشي العربي إنما كتب إرشادات في كيفية فهم النص لما انتشرت العجمة ولكنهم أهملوا رسالته وسلكوا طريقا آخر اختطه الأعاجم متأثرين بعلوم الأمم الأخرى إمامهم فيه عبد الجبار المعتزلي وأبو الحسين البصري المعتزلي ثم الرازي والآمدي والغزالي والجويني وأمثالهم خلطوا فيه قليلا من الحق بكثير من الباطل والفلسفة والمنطق.

والخلاصة أن طلبة العلم من أهل الحديث والسنة اليوم إنما يأخذون من هذه التقعيدات ما يضبطون العلم فحسب، ويركزون على فهم الوحي وتفاعله في قلوبهم وفهمه بفهم العرب وعدم الاهتمام بكثرة التنظيرات والتقعيدات بل يسلكون سبيل الأولين.

فهاتان ميزتان من ميزات العرب في العلم وللحديث بقية وصلى الله على عبده ورسوله محمد.


عدد الزيارات:  1161  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض