الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

مراحل الحكم على المعين (2) الأسماء والأحكام الباطنة

خلف

بسم الله الرحمن الرحيم

مراحل الحكم على المعين (2)

الأسماء والأحكام الباطنة

مقدمة:

(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُون).

قال كعب الأحبار: هذه الآية هي فاتحة التوراة، وهي أعظم كتب الله بعد القرآن.

ففي هذه الآية ذكر الله العلو والسُفل،والنور والظلمات،وعلى هذا بُنيت الدنيا والآخرة؛ففي الآخرة جنة عالية مضيئة،وحفرة سفلية مظلمة، على متنها صراط يصعد بسالكه لتلك الجنة؛قال الله تعالى: (فِي جَنَّةٍ عَالِيَة) وقال عن رجل من أهل الجنة أراد أن يبحث عن قرين له في الدنيا من أهل النار: (قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُون فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم) والاطلاع يكون من فوق.

كذلك الدنيا فيها دائرة عُلوية مضيئة هي دائرة الإسلام والإيمان، وحفرة سفلية مظلمة محيطة من كل الجهات؛هي دائرة الكفر والشرك،فليس في الدنيا إلا توفيق الله أو الكفر،وليس في الآخرة إلا عفو الله أو النار. قال الله تعالى: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء) وقال: (وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) وقال: (أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ) وقال: (عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ). وليس ثمة طريق يصعد من الحفرة المظلمة إلى دائرة النور إلا طريق واحد مستقيم ؛ قال تعالى : (اهدنا الصراط المستقيم) وقال(هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيم) وقال: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ).وفي حديث النواس بن سمعان: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً..).وقد شرحه ابن رجب في رسالته الرائعة (مَثَل الإسلام).

وفي صعود هذا الصراط ما يبين أن العبد لا يكون مؤمناً حتى يترك الكفر وأهله بقلبه وقالبه؛ فمن ترك الكفر بقالبه دون قلبه فهو المنافق،ومن تركه بقلبه دون قالبه؛ فقد توعد الله بجهنم على ترك الهجرة حاشا العاجز.

والأبواب المخرجة من الدائرة العلوية،والملقية في الحفرة السفلية المظلمة سبعة أبواب على عدد أبواب جهنم؛قال الله تعالى: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُوم) فلا يسقط العبد في تلك الحفرة إلا إذا خرج من أحد هذه الأبواب ولم يكن له عذر سائغ،وسيأتي تفصيل ذلك بإذن الله.

قصة الظلمات والنور:

خلق الله الجنة والنار قبل خلق الخلق،ثم خلق آدم،ثم أخرج ذريته كأمثال الذر،وفرزهم حسب علمه بهم وحكمته فيهم؛ فمن علم فيه الخير ومحبة الحق جعلهم في اليمين وألقى عليهم من نوره وقال: (هؤلاء للجنة ولا أبالي)،ومن لم يعلم فيهم خيراً_ ولو أسمعهم _ جعلهم في الشمال وتركهم في الظلمات. وقال: (هؤلاء للنار ولا أبالي) ثم خلطهم في الأصلاب؛فتخرج النسمة المضيئة من صلبٍ مظلمٍ والنسمة المظلمة من صلب مضيء.

ثم لما أهبط الله آدم للأرض كان هو وذريته إلى عشرة قرون من النسمات المضيئة، وقد نزلوا في الدائرة العلوية المضيئة، وكانت الحفرة السفلية خالية؛حتى مكر الشيطان ببعض الذرية عن طريق تعظيم الرجال والغلو في العلماء والصالحين والتصوير؛ فأخرجهم وألقاهم في الحفرة المظلمة؛فبعث الله نوحًا عليه السلام وهو أول رسول إلى البشر؛ ليخرجهم من حفرة الظلمات ويردهم للأمر الأول- إلى الدائرة العالية المضيئة- وهكذا بدأت الدنيا؛ فالشيطان يلقي الناس من العلو إلى الحفرة. والرسل تخرج الناس من الحفرة وترفعهم إلى العلو؛ قال تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) وتأمل كيف أفرد الله النور وجمع الظلمات، ولن يعدو أحد كتابه الأول؛فمن أصابه النور الأول ثم أصابه نور الرسل؛ فكما قال الله: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء) وأما الأشقياء فقال عنهم: (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّور)،حتى كان قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (نظر الله إلى أهل الأرض كلهم؛فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) رواه مسلم. كان الناس كلهم في الحفرة إلا أفراد في العالم كله بقوا على التوحيد الخالص، والأرض كلها قد عمها الظلام.فلما بُعث وأظهر النور الذي جاء به بدأ الناس يخرجون من الحفرة، ويصعدون للعلو أولهم أبو بكر الصديق، ثم الواحد تلو الواحد على مدى بضع عشرة سنة، ثم لما أعزه الله في المدينة كثر الداخلون في النور، ونشأ معهم قسم جديد من الداخلين وهم أناس أظهروا الاستسلام والانقياد والتوحيد والصلاة وصعدوا للدائرة العلوية، وقلوبهم كافرة مظلمة؛ لكنهم أرادوا الاستفادة من الامتيازات الممنوحة للمسلمين،ولما كانت الآخرة هي دار الجزاء الحقيقي، والدنيا متاع قليل؛ولرجاء صحة إسلامهم، أمر الله أن تُقبل ظواهرهم ويمنحوا تلك الامتيازات مالم يُظهروا كفرهم الباطن، ومَثَّل الله فعلهم هذا واستفادتهم من النور الممنوح للمؤمنين ثم انتزاعه منهم في الآخرة؛ فقال:(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُون). مع أنهم أحياناً يقتربون من دائرة الإيمان الداخلية،وأحياناً يقتربون من الحد الخارجي وهو شفا الحفرة.وتأمل قول الله في منافقين قالوا يوم أحد:(لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ) فقال عنهم (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ).ثم منهم من يحسن إسلامه وإيمانه بمصاحبته للمسلمين، ومنهم من يخرج الله أضغانه ويسقط في الحفرة، ومنهم من يبقى مغموصاً عليه النفاق حتى يموت على ذلك.

ومن هنا بدأت قصة الكفر والإسلام، والنفاق والإيمان، والفسق والاستقامة، والعصيان والطاعة.

والحكم على شخص بالكفر أو الفسق أو العصيان بعلم وعدل دون جهل ولا هوى لا يتم إلا بأن يجيب الذي يتصدى للحكم على أسئلة أربعة إجابة مسددة؛ وبدون ذلك لن يوفق للصواب،وعلى باقي المسلمين أن يتعلموا هذه الأسئلة ويواجهوا بها كل من حكم على مسلم بكفر أو فسوق أو عصيان؛لكي تنضبط الأمور ويكون كل شي على الجادة، وهذه الأسئلة الأربعة هي:

أولاً: ماذا يترتب على إلحاق عبد مسلم بأهل الظلمات؟وماذا يترتب على إبقاء كافر مع أهل النور؟

ثانياً: من أي الأبواب خرج المسلم من دينه؟

ثالثاً: كيف علمت بخروجه من ذلك الباب؟

رابعاً:هل له من عذر سائغ؟

وسنلخص الأجوبة­ - بتوفيق الله ومعونته - في النقاط التالية:

 

السؤال الأول: ماذا يترتب على إلحاق عبد مسلم بأهل الظلمات؟وماذا يترتب على إبقاء عبد كافر مع أهل النور؟

بدأنا بهذا السؤال لكي يعلم العبد إن كان جاهلاً،أو يتذكر إن كان غافلاً خطورة ما هو مقدم عليه.

فنقول: الحكم بكفر شخص من أهل القبلة -كتارك الصلاة والصوفي والرافضي والجهمي ونحوهم- يترتب عليه ما يلي:

أولاً: عمل القلب؛فيجب بغضه واعتقاد كفره والبراءة منه ومجانبته ولو كان قريباً.

ثانياً: الانفصال التام عنه في الدنيا، وينبني على ذلك:

الهجرة عن الكفار،وعدم الإقامة بين أظهرهم،وعدم السفر لبلادهم من غير ضرورة، وجهادهم مع الأئمة إن كانوا ممتنعين أو إقامة الحدود عليهم إن كانوا منقادين، وتحريم بقاء المؤمنات تحتهم؛ قال تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) وتحريم ذبائحهم، ومواريثهم، وتحريم دفنهم بين المسلمين، و تحريم الصلاة عليهم وخلفهم ،وعدم مكافأة دمه للموحّد فلا يقتل مسلم بكافر،وعدم عصمة دمه وماله إلا بإسلام أو عهد، وعدم صحة نكاحه إلا إن أسلم وزوجته في العدة،وحرمانه من دخول مكة،وعدم إعطائه من الزكاة الواجبة،إلى غير ذلك من أشياء لا تحصى كثرة، كل واحد منها أعظم من صاحبه، مدونة في كتب الحديث والأثر.

ثالثاً: أحكام الآخرة؛ ومنها:الحكم بحبوط أعماله إذا مات على كفره،والحكم عليه بالخلود في النار إن مات على كفره في الظاهر،وعدم جواز الاستغفار له أو الصدقة عنه أو الحج والعمرة أو الدعاء له.

 

أما ما استثني في التعامل مع الكافر مما فرضه العيش في هذه الدنيا ولا تأثير له على الحب والبغض فمن ذلك ما يلي:

البيع والشراء منهم،وسكناهم بين المسلمين إذا كانوا لا يُظهرون دينهم،أو كانوا أذلة يدفعون الجزية،أو معاهدين أتوا بعقد مؤقت لمصلحة المسلمين، أو كانوا تجاراً يقيمون في حدود ثلاثة أيام بالنسبة للحجاز،ويمنعون من الإقامة الدائمة في سائر جزيرة العرب.

ومن ذلك التزوج بيهودية أو نصرانية عفيفة؛غير مسافحة ولا متخذة أخدان،متمسكة بدينها ولو كان محرفاً،فرخص لنا أن يتزوجها مسلم متمسك بإسلامه قوي في شخصيته؛مع أن تركه أولى لأمر عمر حذيفة رضي الله عنهما بطلاق اليهودية.

ومن ذلك: بعث السفراء إليهم، والهدنة معهم في حال ضعف المسلمين،وترك قتالهم.

ومن ذلك: التعامل معهم بالقسط إن لم يكن مظاهراً للكفار علينا،مع عدم الإخلال بعزة المسلم (فمن رآهم في طريق فلا يدعه لهم وليضطرهم لأضيقه)،ومن رجي إسلامه منهم، فلا بأس بعيادته كما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الغلام اليهودي فأسلم على يديه، وأما السلام فلا يبدأون به، فإن بدأوا هم فالجواب:(وعليكم). وأما الأكل والشرب والمؤانسة الداعية للمحبة والميل فهي ممنوعة إلا في حالة المداراة الشرعية عند رجاء إسلامه خلافاً للمداهنة.وعلى العموم فكل ما لا يؤثر في الحب والبغض من أمور الناس العادية مما نحتاج إليه فقد رخص لنا فيه،وإذا وجدنا ما يغنينا عنه استغنينا.

وأما الحكم ببقاء شخص في الإسلام رغم كفره الظاهر فهذا يترتب عليه: انعدام الفرق لدى الناشئة بين الكفر والإسلام،وإعطاء الكافر كافة حقوق المسلمين،واستحلاله للزواج من المسلمات،واستحلاله لمواريث المسلمين ونحو ذلك، ويترتب على ذلك عظم فتنته على المسلمين لبقائه بينهم واشتباه الأمر على العامة؛ لانتسابه لأهل القبلة،قال تعالى:( أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟؟ مالكم كيف تحكمون!!).

وبهذا يتبين أن التسرع في إلحاق مسلم بالكفار دون أن يكون كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان هو دين الخوارج، وأن التباطؤ عن إلحاق الكافر الظاهر بالكفار وإبقائه مع المسلمين هو دين المرجئة.

وخطورة التسرع: أن الحكم إن وافق المحل فبها،وإن لم يوافقه رجع الحكم على الحاكم، ففي الحديث (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) وهذا وعيد مرعب وإن لم يصل للإخراج من الملة.

وخطورة التباطؤ: أن الشك في كفر الكافر وإبقاءه مع المسلمين يترتب عليه نقض إسلام المسلم إذا شك في الكافر الظاهر؛ولم يفرق بين ملة إبراهيم وما سواها من الملل؛وهذا هو الفساد العظيم.

ومن تيقن أن الدنيا مؤقتة وليست بدار جزاء،وأن الآخرة هي العظمى؛وفيها تبلى السرائر ويُحصّل ما في الصدور؛قَبِل من الناس ظواهرهم حتى يفصحوا عن بواطنهم،والله يتولى السرائر.

قال عمر رضي الله عنه: (إن الوحي كان ينزل فيخبر عن سرائر قوم وإنه قد انقطع ولم يبق إلا ما أقول لكم:من أظهر خيرا قبلناه منه وأحببناه عليه،ومن أظهر شراً رددناه عليه وأبغضناه عليه،وسرائركم إلى الله).أما في الآخرة فلا تواصل معهم البتة حتى في شربة ماء: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين). ومن تدبر تعامل رسول الله عليه الصلاة والسلام مع المنافقين مع أن الله قد أخبره ببواطن أكثرهم؛رأى العجب وفيه أسوة.كذلك تعامل علي رضي الله عنه مع الخوارج لما ابتلي بهم؛ فإنه أطلق عليهم الاسم الظاهر والحكم الظاهر،وقاتلهم لدفع صيالهم على الإسلام وأهله، فلما أريد على تكفيرهم امتنع؛ وقال: (هم من الكفر فروا) مع أنه سمع فيهم الحديث العظيم: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه).

 

السؤال الثاني: من أي الأبواب خرج؟

لاتنفع كلمة التوحيد إلا إذا سبقها الكفر التام بالطاغوت وأهله، وصاحبها شروط هي حسب تحققها في العبد على هذا الترتيب: العلم بمعنى كلمة التوحيد ثم اليقين ثم الصدق ثم الإخلاص ثم المحبة ثم القبول ثم الانقياد؛ فهذه الأمور السبعة هي التي تزين كلمة التوحيد، وتفعّل أثرها وهي المدخلة في الإسلام الحقيقي، وأضدادها هي المخرجة منه، وكل شرط من هذه الشروط قد جاء من أدلة القرآن والسنة فيه وفي ضده ما لا يُحصى كثرة.

ويُقبل من العبد النطق بالكلمة -ولن تنفعه بالآخرة حتى يحقق هذه الشروط- ويعطى الإسلام الحُكمي إذا كفر بالطاغوت ولم يصدر منه ما يناقض الاسلام،ثم يعطى الإسلام الحقيقي إذا صح إسلامه.

قال الإمام الأوزاعي- وهو من أعلم الناس بالكفار وجهادهم-: (إسلامه أن يقول: لا إله إلا الله. فقال الفزاري: فإن قالها بلسانه ولم يعرفها بقلبه؟ قال: إذا قالها بلسانه فهو مسلم، ثم تُعلِّمه) أي: مباشرة (السير للفزاري 117). وقال إسحاق بن منصور الكوسج لإسحاق بن راهويه رحمهما الله:

(إذا جاء رجل من أهل الذمة؛ وقال: اعرض علي الإسلام؟ قال: فإن السنة في ذلك أن تعرض عليه أن يقول: أشهد لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأقررتُ بكل ما جاء من عند الله، وبرئتُ من كل دين سوى الإسلام؛فهذا العرض التام الذي اجتمع العلماء على قَبوله، وصيروه دخولاً في الإسلام وبراءة من الشرك،فإن اقتصر العارض على المشرك الإسلام على الشهادتين والدخول في الإسلام؛ فإن كان ذلك على معنى مجرد الدخول في الإسلام فلا بأس،كما قبله الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حين دخل مِدْراس اليهود وعرض على اليهودي من الإسلام قدر هذا؛فلما مات اليهودي قال: "صلوا على أخيكم"،وإنما احتطنا أن يكون الذي يعرض الإسلام يعرض الخصال الأربع كي لا يكون عليه خلاف من العلماء). مسائل الكوسج (3370).

وبهذا يتبين أن العبد إذا خرج من باب من هذه الأبواب السبعة،وسقط في الحفرة، فعودته للدائرة العلوية لا يكون إلا من نفس الباب الذي خرج منه كما فعل الصديق بمانعي الزكاة.

 

وأبواب الكفر السبعة هي المضادة لشروط كلمة التوحيد والإسلام والإيمان وهي ما يلي:

 

الشرط الأول: العلم بمعنى كلمة التوحيد ومقتضاها، يقابله الباب الأول: كفر الإعراض.

( فهذا كافر أشاح بوجهه عن حق الله الواضح وضوح الشمس ليس دونها سحاب).

الشرط الثاني: اليقين، يقابله الباب الثاني: كفر الشك والتردد والتوقف.

(وهذا كافر زاغت عيناه من الشك المريب في أمور جلية).

الشرط الثالث: الصدق، يقابله الباب الثالث: كفر النفاق والزندقة.

( وهذا كافر دارت عيناه في رأسه من المكر والمخادعة).

الشرط الرابع: الإخلاص، يقابله الباب الرابع: كفر الإشراك.

( وهذا كافر استهزأ بربه فجعل معه نداً من مخلوقاته ليس كفؤاً له)

الشرط الخامس: المحبة، يقابله الباب الخامس: كفر البغض والكُره والاستهزاء.

( وهذا كافر بدت البغضاء والكراهية والاستهزاء من فمه وما يخفي صدره أعظم)

الشرط السادس: القبول، يقابله الباب السادس:كفر الرد والتكذيب والجحود والاستحلال والإنكار.

(وهذا كافر شمخ بأنفه وارتفع عن عبودية ربه وأراد منازعة خالقه ولم يقبل هداه).

الشرط السابع: الانقياد، يقابله الباب السابع: كفر التولي والامتناع والإباء والاستكبار.

( وهذا كافر ولى الحق دُبُره ولم يَنْقَدْ له ويتواضع ولو كان قد قَبِلَه).

وهذا تفصيلها:

  

أبواب الكفر السبعة المؤدية لأبواب جهنم السبعة:

الباب الأول: كفر الإعراض وهو يقابل العلم بالتوحيد، وهو مبني على أمرين هما:

1- أن الله بيَّن أمر الإسلام ووضحه وجلّى التوحيد وغرسه في العقول والفطر والأنفس والآفاق.

2- أن الله أمر العباد جميعاً بالبحث عن الحق والانقياد له، فَمِن الله الرسالة،وعلى الرسل البلاغ وعلى الخلق البحث والتسليم.

فمن جهل أمر التوحيد أو جهل أمراً لا يسع أحداً جهله، أولم يبحث عن الرسل ولم يصدقهم،أولم يصغِ لهم البتة، فمثله كمثل الذي يصلي في الحِجر إلى غير الكعبة وهي قد سدت الأفق أمامه ويزعم أنه ما اهتدى إليها،فكل عاقل يسمي هذا معرضاً لا جاهلاً ؛كما سماه الله فقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُون) وقال:(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُون) وقال: (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُون) وقال: (بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُون) وقال:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا)وآيات الله لا تنحصر في الرسل، وهذا حال الكفار في أزمان (الفترة) فهم مع المكذبين كأهل الجهل البسيط مع أهل الجهل المركب وكلهم كفار.

ولما بعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام بالحق؛ من الناس من آمن به،ومنهم من صد عنه بوجهه وأشاح وأعرض فلم يصدق ولم يكذب ولم يهتم،ومنهم من كذب وأبى واستكبر؛ قال تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) فالأول المشرك المعرض فكل مشرك مفتري ولا شك، والثاني المشرك المكذب؛وشهادة التوحيد لا تنفع إلا بالعلم كما قال تعالى: (إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون)؛ فمن زعم أن من لم يترك ملة الأوثان ولم يكفر بالطاغوت وشهد الشهادتين بلسانه أنه مسلم، أو زعم أن من فعل الشرك يظنه من باب تعظيم الصالحين معذور، أو زعم أن الله ليس في السماء مع أن الحيوانات العجماء تشهد بذلك كله ونحو هذا؛ فكفره كفر إعراض عن الحق رغم وضوحه وهو ظالم.

قال الونشريسي- من علماء فاس-: (من نشأ بين أظهر المسلمين ينطق بكلمة التوحيد إلا أنه لا يعرف المعنى الذي انطوت عليه هذه الكلمة الكريمة لا يضرب له في التوحيد بسهم، ولا ينسب إلى إيمان ولا إسلام بل هو من جملة الكافرين وحكمه حكم المجوس في جميع الأحكام إلا القتل) أي أن المجوس تقبل منهم الجزية وهو ليس كذلك؛ قال تعالى: (وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُون) وقال: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير) فالجاهل: من خلا من العلم، أو اعتقد الشيء بخلاف ما هو عليه، أو فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل؛ فإن كان في الأمور الجلية الواضحة البينة فهو مُعرِض، وخاصة ما يتعلق بأسماء وصفاته ووحدانيته، والمعلوم من الدين بالضرورة وما وضحته السنة، واستفاض عند المسلمين.وبهذا الباب من الكفر تموت المسألة الخبيثة التي ألقاها الشيطان على ألسنة بعض الناس ليهدم بها الملة؛وهي أن المشرك معذور بجهله حتى يأتيه رسول، وأنه لا كفر إلا كفر التكذيب والرد للحجة بعد بلوغها.وهي متعلقة بالتجهم والإرجاء الغالي الذي يعلق كل شيء بالقلب.

 

الباب الثاني: كفر الشك والتردد والتوقف، وهو يقابل اليقين بالتوحيد وهو مثل الذي قبله، لكنه لم يُعرض بل شك بعد العلم وتردد وتوقف في الأمور الظاهرة. فالأول: خلاف العلم الواجب، وهذا خلاف اليقين الواجب؛ قال الله عن الكفار: (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيب - قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) وقال الله عنهم: (إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيب) وقال: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُون) وقال: (قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبدٌ غير شاكٍ فيهما إلا دخل الجنة) رواه مسلم. وفي المسند قال عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل ينازع الله إزاره وإزار الله العز،ورجل في شك من الله والقنوط من رحمة الله). فمن شك أو تردد أو توقف في وحدانية الله وتفرده بالعبادة وبالغيب،أو شك في كلامه أو في حرف منه، أو شك في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو وجوب طاعته أو في عصمته في التبليغ، أو في اليوم الآخر،أو في صحة دين الإسلام وبطلان جميع الأديان،أو شك في كفر المشركين ولو تسموا بالإسلام، أو شك في كفر القائلين بخلق القرآن،أو كفر من سب الله وشتمه- تعالى الله عن ذلك- أو شتم الأنبياء أو جنس الصحابة،فكل هذا الشك والتوقف كفر؛وقد حكى ابن تيمية رحمه الله في الصارم المسلول الإجماع على كفر من استغاث بعليٍّ وعلى كفر من شك أو توقف في كفره؛ لأنه لم يتيقن بالتوحيد وكلمة التوحيد، وهي لا تنفعه إلا باليقين. لكن يجب التفريق بين الشك وهو عمل قلبي، وبين الوسوسة وهي خواطر شيطانية يهجم بها الوسواس الخناس على قلوب المسلمين، وهم يدافعونها ويهون عندهم أن يخروا من السماء ولا يعتقدونها؛ فهذه المدافعة صريح الإيمان والأول صريح الكفر.

 

الباب الثالث: كفر النفاق والزندقة: ويقابل الصدق، وهو فيمن قال كلمة التوحيد عالماً بمعناها غير شاكٍ فيه،لكنه قالها وهو غير صادق في الاستسلام لها والانقياد،بل هو ممن (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) أرادها أن تحمي دمه وماله؛قال تعالى: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) والتوبة عليهم توفيقهم للإسلام قبل الممات، وقال تعالى: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون) وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِين - يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا). والآيات فيهم لا تكاد تحصى.

فالقسمة الرباعية هي:

1- من صدّق في ظاهره وباطنه وهو المؤمن.            

2- من كذّب في ظاهره وباطنه وهو المُعرِض عن التوحيد والشاك فيه.         

3- من كذّب في ظاهره وصدّق في باطنه وهم أكثر الكفار؛ قال تعالى: (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ) وقال: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) وقال: (بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ) وقال موسى عليه السلام لفرعون: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ) فهذا كفر إبليس وفرعون واليهود وقريش وأغلب الكفار ، فكفرهم مركب، لكنهم أوضح ممن بعدهم.

4- من صدّق في ظاهره وكذّب في باطنه وهم المنافقون، ولهذا فبابهم هو الأسفل من أبواب جهنم السبعة،وهم في الدرك الأسفل من النار. وهم أيضاً كفرهم مركب.

لكننا أُمرنا أن نقبل ظواهرهم في الدنيا ما لم يُظهروا ما في بواطنهم، كما لو فرحوا بظهور الكفار على الموحدين،أو استهزأوا بالدين،أو أبغضوا جنس المؤمنين. قيل للإمام أحمد: (يا أبا عبدالله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبدالله وهو ينفض ثوبه، وقال: زنديق زنديق زنديق، حتى دخل البيت). (طبقات الحنابلة 1/38).

كذلك من امتنع عن الاستسلام لحكم الله قال تعالى: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين).فكل من أظهر كفراً من المبتدعة والمنافقين المظهرين لدين الإسلام سمي: (زنديقاً) و(منافقاً نفاقاً اعتقادياً أكبر)،وحكم بردته وقتله دون استتابة؛ لعظم خطره.

 

الباب الرابع: كفر الإشراك بالله- وهو يقابل الإخلاص والتوحيد. قال تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين) وقال: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) وقال: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين - أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) وقال: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).

وضابط الشرك المكفر هو كما جاء في الحديث: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك). أما ما سمي من الذنوب الكبار شركاً وليس فيه تنديد إلا في الظاهر- وهو المسمى بالشرك الأصغر-، كمن حلف بغير الله دون اعتقاد، أو يسير الرياء،فهذا ذنب داخل تحت المشيئة والمغفرة، وإنما سمي شركاً كما سميت بعض الذنوب كفراً؛ردعاً وتشنيعاً وهو أكبر الكبائر؛ لأنه يتعلق بتنقص جناب الإلوهية.

وشرك التنديد خبيث؛ومقولة (المعطل للرب شر من المشرك) ليست على إطلاقها؛ لأن الشرك ينطوي على تنقص الإله والاستهزاء به وجعل الشركاء أنداداً له فهو شر ممن عطّله، وسأضرب مثلاً لذلك: من لم يدعُ رجلاً إلى الوليمة أهونُ ممن دعا رجلاً له قدر مع أضداده وأعدائه ومن ليس كفؤاً له، ومن حَرَمَ رجلاً له منزلة جاء يطلب رِفْداً أهونُ ممن أعطاه دانقاً. ولله المثل الأعلى؛ ولذا سمى الله المشركين مستهزئين؛ فقال: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين - الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُون).

 

الباب الخامس: كفر البغض والكُره والاستهزاء، ويقابله محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه، والتوحيد وأهله،وبغض كل ما يناقض كلمة التوحيد وبغض الشرك وأهله؛ قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) ثم ذكر لوازم المحبة الأربعة، وقال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ) إلى قوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ) وقال تعالى عن ضدها: (لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون) وقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُم - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم) فتحقيق التوحيد لا يتم إلا بأن يحب الله ولا يحب ولا يوالي إلا لله ولا يبغض ويعادي إلا لله ويحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله، فمن أحب التوحيد وأهله وأبغض الشرك وأهله فهو الموحّد، ومن أحب الشرك وأبغض التوحيد فهو المشرك، ومن لم يحب التوحيد ولم يبغضه فهو كافر كفر إعراض وشك، ومن أحب التوحيد وأبغض أهله فهو كافر ودعواه الأولى كاذبة، ومن أبغض الشرك وأحب أهله فهو كسابقه ودعواه كاذبة، ومن أحب التوحيد وأحب الشرك فهو مثلهم. وراجع رسالة (أصل الإسلام وقاعدته) للإمام محمد بن عبدالوهاب وشرحها لحفيده عبدالرحمن بن حسن رحمهم الله.

ويلزم من المحبة طاعة الله وتوحيده وعبادته، ومحبة ما يحبه الله من الأفعال والأعيان وبغض ما يبغضه الله واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتسليم له والولاء والبراء الصادق؛ قال تعالى: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ) الآية. وقال: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) وقال: (لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ) وقال: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) وعبادة الهوى مما يناقض محبة الله وهي داخلة في هذا الباب من الكفر قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) وعبادة الرجال داخلة هنا أيضاً إذا أحلوا الحرام وحرموا الحلال فأحبهم وأطاعهم؛ قال تعالى: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا) كذلك عبادة الدنيا وتقديمها ومحبتها على محبة الله من ذلك؛ قال عليه الصلاة والسلام: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم). ومحبة المخلوق محبة تتضمن الخضوع والتذلل والانكسار والخوف والرجاء والتوكل عليه؛ كما تفعل الرافضة والصوفية مع أئمتهم ومعبوديهم من هذا الباب. كذلك الجهمية وأفراخهم الأشعرية الجاحدين أن الله يحِب ويُحَب هم من هؤلاء. وكذلك البغض فمن أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو كرهه أو استهزأ به فهو كافر من هذا الباب ولو عمل بما أبغضه، قال تعالى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون) وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم) وقال: (حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُون) وقال: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) وقال: (يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُون). ومن ذلك بغض بعض صفات الله أو شرعه أو قدره أو أحد الأنبياء أو الملائكة أو آية من القرآن أو حرف منه أو الصحابة رضي الله عنهم. ومن ذلك الاستهزاء؛ قال تعالى: (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) وقال: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُون) وقال: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً) وبين هذا الباب وباب النفاق تقارب وتباعد؛ فقد يكون البُغض هو أساس النفاق وقد يكون النفاق هو أساس البُغض. قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: (أنت يا من منَّ الله عليك بالإسلام!! لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق وأنا تارك ما سواه لكني لا أتعرض للمشركين؛أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام بل لابد بغضهم وبغض من يحبهم،ومسبتهم ومعاداتهم؛كما قال أبوك إبراهيم (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه) ولو قال رجل: أنا أتبع النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا أتعرض للات والعزى ولا لأبي جهل وأمثاله، وما عليّ منهم لم يصح إسلامه).

 

الباب السادس: كفر الرد والجحود والاستحلال والتكذيب والإنكار، وهو يقابل القبول بكلمة التوحيد ولوازمها ومقتضياتها.وكفر (الإباء والاستكبار) يدخل هنا ويدخل في الباب السابع كلٌ بحسبه.

فالقبول هو ركن الدين الأكبر؛ فمعنى الإسلام الاستسلام، وهو أول خطوة للدخول فيه، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) وقال: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) وقال: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) وقال: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ) وقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) وقال: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) وقال: (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا) وقال فيمن لم يقبل ما أرسل الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون) وقال: (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُون) وقال: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ) وقال: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا) وقال: (إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين) وقال: (وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) إلى قوله: (أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا). وقال عليه الصلاة والسلام: (من قبل مني الكلمة التي عرضتها على عمي فردها علي؛ كانت له نجاة) أخرجه أحمد. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (من جحد حرفاً من القرآن فقد جحده كله، ومن حلف بآية منه لزمه بكل آية كفارة). قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه).

وقال الإمام إسحاق بن راهويه: (أجمع العلماء على أن من دفع شيئاً أنزله الله، وهو مقر بما أنزل الله، فهو كافر) نقله ابن عبدالبر في التمهيد.وقال البربهاري: (لا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية أو شيئاً من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا فعل ذلك وجب عليك أن تخرجه من الإسلام). وقال: (ومن رد شيئاً من السنة فقد رد السنة كلها فعليك بالقبول).

والعبد قد يقبل كلمة التوحيد ولا ينقاد لها؛ فهذا كفر التولي- وسيأتي-، وقد ينقاد وهو لم يقبل وهذا كفر النفاق- وتقدم-،وقد يقبل إجمالاً ويجهل التوحيد وهذا كفر الإعراض- وتقدم-، وقد يقبله ويشك في تفاصيله وهذا كفر الشك- وتقدم-،وقد يقبله لكنه لم يخلصه ويخلص فيه وهذا كفر الإشراك- وتقدم-، وقد يعرف معناها ومقتضاها لكنه لم يقبل بها وهذا كفر عناد- وهو هذا- وقد يحب التوحيد لكنه لم يقبله؛ -كحال أبي طالب وهرقل- وهو داخل في هذا.

ومعنى القبول:أن تقبل بالله رباً وإلهاً واحداً وحاكماً قاهراً، وتقبل برسله وبكتبه وبدينه جملة وتفصيلاً، وتنطق بذلك وترضى وتسلم.

والقبول قد يأتي بمعنى الانقياد؛فإذا اجتمعا اختص القبول بقول القلب وعمله وباللسان، واختص الانقياد بعمل الجوارح؛ فمانعي الزكاة منهم من لم يقبل، ومنهم من قَبِل ولم ينقَدْ وقال: (ما شأن أبي بكر فيها إنما هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم).

ويقابل القبول من الكفر كفر الرد، وهو يشمل بعض الأشياء التفصيلية ومنها:

أ- جحود وجوب الوجبات ولو عملها.               ب- استحلال المحرمات ولو تركها.

ج- تكذيب الآيات والأحاديث ولو حرفاً واحداً. د- الإباء والاستكبار وهذا يكون هنا وفي الانقياد.

والكفار ليسوا سواء فأبو طالب ردّ الدين ولم يقبله مع أنه لم يعاده بل أحبه، وأخوه أبو لهب رد الدين وعاداه وكرهه، ولذلك اختلفت منازلهم في النار.

ويشمل هذا الكفر التكذيب بالملائكة والجن والشرع والقدر واليوم الآخر وتكذيب صفة من صفات وردها،أو التحايل على ردها.

 

الباب السابع: كفر التولي، ويقابله الانقياد لكلمة التوحيد وتنفيذ ما تقتضيه من الأعمال والأقوال. فلم يذكر الله في القرآن وصف (الذين آمنوا) إلا سبقه أو لحقه وصف (عملوا الصالحات) فلم يقبل إيمانهم بلا عمل. وقال تعالى: (وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) أي لا على من علمه أو قبله فحسب، بل لابد أن يتبعه، وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) وقال: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) وقال: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي) وقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) وقال عليه الصلاة والسلام: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى! قالوا: ومن يأبى يا رسول الله. قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) رواه البخاري. قال الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ). قال الإمام الحميدي رحمه الله: (أُخبرت أن قوماً يقولون: إن من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى الموت ما لم يكن جاحداً بقلبه أنه مؤمن!، فقلت: هذا الكفر بالله الصّراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفعل المسلمين. قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة). قال الإمام أحمد معلقاً على هذا- كما في رواية حنبل-: (من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما جاء به). رواه الخلال في السنة.

وقال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: (المرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصراً بقلبه على ترك الفرائض،وسموا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم وليست بسواء؛لأن ركوب المحارم من غير استحلالٍ معصيةٌ،وترك الفرائض كلها متعمداً من غير جهلٍ ولا عذرٍ كفرٌ). أخرجه عبدالله بن أحمد في السنة. وقال الإمام إسحاق بن راهويه: (غَلَت المرجئة حتى صار من قولهم؛أن قوماً يقولون: من ترك عامة الفرائض من غير جحود فإنا لا نكفره) فجعله من قول غلاة المرجئة وقد انتشر هذا القول في زمانناً انتشاراً مرعباً؛وتولى كِبره الألباني وعصابته، وهو يوافق أهواء النفوس لتكتفي بالقول دون العمل.

وكفر التولي نوعان:

النوع الأول: الترك المجرد الذي لا يصحبه أي أمر آخر وهذا خاص بترك الصلاة إجماعاً؛ فمن ترك الفجر حتى طلوع الشمس، أوالظهر أو العصر حتى غروب الشمس، أوالمغرب أو العشاء حتى طلوع الفجر دون عذر فقد كفر وخرج من ملة الإسلام وسقط في الهاوية إلا أن يتوب. قال عبدالله بن شقيق: (لم يكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم- أي كلهم- يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) وقد اختلفوا في الزكاة وسائر الفرائض. وقال إسحاق بن راهويه: (أجمع الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا أن من ترك صلاة واحدة فقد كفر) فالصلاة هي عمل التوحيد بالجوارح؛ركوعاً وسجوداً وقياماً وقعوداً وقراءة وذكراً وخضوعاً، كل يوم خمس مرات؛ فمن تولى عن ذلك فهو كافر مشرك.وليس كذلك باقي الفرائض فهي من لوازم التوحيد ومقتضياته؛ قال تعالى: (فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى - وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) وقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِين) ومَثّل الرسول صلى الله عليه وسلم بالكفر الصراح الذي عندنا فيه من الله برهان بترك الصلاة، وآخر من تناله شفاعة الشافعين ويخرج من النار من الموحدين المصلين؛عُرف بآثار السجود والباقي احترق.

النوع الثاني: كفر التولي المصحوب بإباء أو امتناع أو استكبار، وهذا عام في جميع الواجبات فمن تولى عن العمل بامتناع وإباء واستكبار لا بترك مجرد فهذا كافر ولو لم يكذب؛ لأن هذا مناقض لاسم الإسلام والاستسلام ولمعناه؛ قال تعالى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) وقال:(لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) وقال: (أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) وقال: (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) وقال: (تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى) إلى قوله: (إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَر - فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَر) وقال: (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَر) وقال: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُون - وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُون) إلى قوله: (اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ). وحكى ابن تيمية رحمه الله الإجماع على أن كل طائفة ممتنعة عن العمل بشريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة يجب قتالهم ولو كانوا ملتزمين بغيرها من الشرائع. ا.ه أبواب الكفر السبعة.

 

بالتقرير السابق تبين أن نفس الذنب والبدعة ليسا كفراً أبداً، لكنهما قد يكونان وعاءً للكفر ساتراً له. فالسني ينظر لما تحت الغطاء فإذا انكشف بوجه صحيح صريح حكم بموجبه، والخارجي يغلو في الذنب أو البدعة؛فيكفر بالذنب الساتر قبل أن يتأكد من الكفر المستور؛مع أنه يرى أن الحكم لا يتأثر بالساتر،فالجاحد مثلاً كافر ولو كان مواظباً على العمل الذي جحد وجوبه،والمستحل للذنب كافر ولو كان يكره ذلك الذنب ولا يعمله. ومما يوضح ذلك ما يلي:

القتل مثلاً ذنب فإذا كان قتل نبي وهو يعلم أنه نبي؛ كان هذا القتل ساتراً للتكذيب والبغض والاستكبار وغير ذلك فكان كفراً.

(والحكم بغير ما أنزل الله) الأصل فيه أنه ذنب؛ولذا رفع العلماء أصواتهم منذ نزول الآية ابتداءً من كبار الصحابة وعبدالله بن عباس رضي الله عنهما وأصحابه وانتهاء بكل علماء الإسلام فقالوا:

إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه،وليس بالمخرج من الملة بذاته،وليس كالكفر بالله وآياته ورسله، وإنه كفر دون كفر، حتى يُخفي وراءه الكفر الصراح. ولا أعلم أحداً من علماء الإسلام يكفر بمجرد الحكم بغير ما أنزل الله، بل يبحثون عما وراءه من استحلال أو جحود أو تفضيل أو مساواة لحكم الله أو سن قوانين وإلزام وتخضيع وغير ذلك مما يرونه أو بعضهم من دلائل الكفر الباطن.

(ومعاملة الكفار) الأصل فيها أنها دائرة بين الإباحة والذنب بدرجاته، فإذا كانت تستر الميل للكفار وتفضيلهم على الإسلام وأهله،وبغض المسلمين ومحبة استئصالهم؛ كانت هذه المعاملة ستاراً لكفر باطن اتضح بالقول والفعل؛ ومع بشاعة فعل حاطب رضي الله عنه إلا أنه ذنب؛ولذا سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لينظر هل يخفي كفراً باطناً وليعلمنا كيف نعمل في مثل ذلك؛ فقال: (يا حاطب أنت كتبت هذا الكتاب.قال: نعم يا رسول الله. قال: فما حملك على ذلك؟!. قال: والله ما فعلته كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضىً بالكفر بعد الإسلام). فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إطلاق اسم النفاق عليه فضلاً عن الكفر.

وبهذا يتضح الفرق بيننا وبين الخوارج؛ وهو أنهم يَغلون في الذنب ويتركز نظرهم إليه؛ فيكفّرون به مجرداً، ثم يزعمون في عصرنا أنه لا يوجد الآن من يكفر بالذنوب!! أما أهل الحق فإنهم لا يكفرون بالذنوب لكنهم يتأكدون دائماً هل تخفي وراءها كفرا صراحاً أو لا؟

 

والبدع على نفس القاعدة؛لذلك ليس كل مبتدع كافراً حتى يخرج من تلك الأبواب السبعة؛ ولما قالت الجهمية: القرآن مخلوق؛ كفّرهم العلماء، قال أحمد: (تأملتُ سبب كفرهم فإذا القرآن من علم الله؛ قال تعالى:(مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ) ومن زعم أن علم الله مخلوق؛ فقد نسب الجهل لله حتى خلق العلم؛ وهذا الكفر بعينه).وكل من كفره العلماء من المبتدعة فسببه كفر باطن،كانت هذه البدعة تخفيه وهذا هو الفرق بين الكفر الظاهر المستبين وبين الكفر المغلف ببدعة أو ذنب، فالأول يجزم بكفر صاحبه مباشرة،فمن رأيته على الشاشات مثلاً يستغيث بعلي والحسين والبدوي؛ فكفّره مباشرة واجزم له بالنار إن مات على ذلك ظاهراً.

ومن حكم بغير ما أنزل الله أو تعامل مع الكفار أو تعامل بالربا فتأن في أمره حتى يستبين كفره الباطن.

ويقابل الخوارج المرجئة فهم يقولون: الذي يفعل الكفر المستبين لا نحكم له بالكفر حتى نعلم قصده للكفر ومحبته له؛ فساب الله وشاتمه- جل وعلا- وعابد الوثن والساجد للصنم لا يكفرونه حتى يتأكدون أنه قاصد للكفر مريد له محب له؛ وهذا هو الكفر بعينه.

  

السؤال الثالث: كيف علمت بخروج الكافر من ذلك الباب الذي كفر بسببه؟

لما كان تكفير أهل القبلة شديداً،كما قال الإمام أحمد(الكفر شديد لا يكاد يوقف عليه) رواه الخلال. ولفظة (كَفَرَ) مأخوذة من التغطية والستر كما يسمى الليل والفلاح كافراً؛ لذا فالأصل فيه ألا نعلمه إلا بنطق صريح يعرب عما في القلب، فاللسان ترجمان الجنان، والفعل دلالته أضعف من القول، لكثرة الاحتمالات المتعلقة به؛-ولذا اتفق العلماء على أنه إذا تعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم مع فعله ولم يمكن الجمع بينهما فقوله مقدم-؛ولهذا لم يحكم العلماء بالتكفير بالفعل إلا إذا كان الفعل صارخاً ناطقاً مبيناً ليس له إلا احتمال واحد،أو له احتمالان أحدهما ضعيف مطرح لدى العلماء.

ففي مسألة معاملة الكفار لم يحكم العلماء بكفر أحد بمجرد فعله إلا في صورة واحدة اتفقوا عليها- فيما حكاه بعضهم- وهي:صورة رجل كان في صف المسلمين ثم لما حمي الوطيس،انتقل إلى صف الكفار وأخذ يقاتل المسلمين جاهداً في استئصالهم؛ فهذا يكفر بفعله-كما في قصة النفر من بكر بن وائل لما فعلوا ذلك في فتح(تُسْتَر) ثم ظفر بهم المسلمون فحكموا بردتهم وقتلوهم مباشرة وأقرهم عمر رضي الله عنه على الحكم بردتهم ولكنه لم يقرهم على ترك الاستتابة-، وما عدا هذه من الصور فمختلفٌ فيه حتى الذين خرجوا مع الكفار يوم بدر وهم ممن كان يكتم إسلامه، وقال عنهم الصحابة رضي الله عنهم لما قتلوهم: (قتلنا إخواننا) اختلف في كفرهم الباطن؛ ذكر ذلك المفسرون عند آية: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ).

وفي الحكم بغير ما أنزل الله يشترط العلماء معرفة كفره الباطن بوجه صريح ولسان فصيح،أو يعامل معاملة المنافقين، مع دوام الجهاد في محاربة القوانين وأهلها،وإنما الكلام في كفره،ولما أفتى الشيخ محمد بن إبراهيم أن مجرد سن القوانين والإلزام بها كفر بمجرده يدل على ما في الباطن، خالفه أكبر أصحابه وهو الشيخ ابن باز،ومأخذ الخلاف أن دلالة الفعل أضعف من القول والاحتمالات فيه متعددة.

ولو أن رجلاً تزوج بإحدى محارمه،فإن دلالة الاستحلال قوية،ومع ذلك فإن العلماء لا يكفرونه بمجرد ذلك،ونصوا عليه في كتبهم منهم سفيان ومالك والشافعي وأحمد وابن المبارك وباقي الأئمة،وإن اختلفوا في الحدِّ كما اختلفوا في حد من يعمل عمل قوم لوط،ولما سُئل أحمد عن ذاك الذي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وما فُعل به من قتله وتخميس ماله؛ قال: (نرى أن ذاك فعله على الاستحلال) مسائل عبد الله (1498). والرسول عليه الصلاة والسلام يعلم استحلاله بالوحي؛ولذا جاء في مسائل عبد الله أيضاً (1558) أن رجلاً فعل فعلاً منكراً فقال أبو برزة الأسلمي للصديق "دعني أضرب عنقه" فانتهره أبوبكر وقال"ليست هذه لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم". وعليه فإذا علمنا ممن فعله في عصرنا الاستحلال بوجه قطعي فحكمه حكم ذاك الرجل والا فلا.

ومن الأفعال الصارخة الناطقة (قتل نبي) و (إهانة مصحف) وهو يعلم ذلك.

وقد خالفتنا المرجئة؛ فاشترطت في الأفعال الصارخة الناطقة أن ينطق بلسانه.

وخالفتنا الخوارج؛ فتوسعت في الاستحلال العملي- كما يسمونه- وجعلوا الذنوب كفراً بمجرد الظن.

وكما أن القول الناطق الصريح أقوى من الفعل فهو أقوى من النية- فيما لو زعم أنه ما نواه- قال الإمام أحمد: (من طلق ثلاثاً وقال: أنوي واحدة فهي ثلاث ،ومن طلق واحدة وقال: كنت أنوي ثلاثاً فهي واحدة؛ إنما النية فيما خفي لا فيما ظهر) مسائل عبدالله (1578). ومن قتل بآلة قاتلة، وضرب في مقتل فإنه يقتص منه وإن كان لا ينوي قتله،ولذلك لما استهزأ بعض المنافقين بالصحابة لأجل دينهم، ثم أفصحوا أنهم إنما أردوا الخوض واللعب؛ قال الله تعالى: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).

 

السؤال الرابع: هل له عذر سائغ؟

الأصل في ما يُخرج من الملة أن يكون واضحاً مستبيناً، ولهذا سمى الله الجهل به إعراضاً فقال: (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً) إلى قوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُون) وسمى الترك تولياً فقال: (فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى - وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) وبعض المكفرات أوضح من بعض، فمنها أمور يتوافر عليها السمع والعقل والفطرة وآيات الله كلها؛ كوحدانية الله وأنه في العلو وأنه حي سميع بصير قادر ونحو ذلك، فيكون التكفير بتركها أو إنكارها أسرع. ومنها أمور متوقفة على السمع كبعض صفات الله الفعلية كمجيئه ونزوله وضحكه، فهذه يكون تكفير منكرها أبطأ؛وذلك للحاجة إلى التأكد أنه قد بلغته الحجة.

وإذا أراد المسلمون إخراج عبد من دائرة النور وإلقاءه في الهاوية والحكم عليه بانقطاع التواصل بينه وبينهم في الصلاة والمواريث والأنكحة وغيرها، فإنه يبقى عليهم أمر أخير وهو التأكد أن هذا العبد لا عذر له مقبول عند الله في كفره هذا، وهذا أمر يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة والمسائل التي كفر بها. والجد والهزل،والخوف والأمن،غير مانعة من الحكم عليه، لكن المانع مايلي:

أولاً: قد يؤثر الجهل في أمر سمعي يخفى مثله وهو ممن يتصور خفاؤه عليه؛ كمن أنكر صفة الساق والأصابع لله وهو ممن يتصور جهله بها،فإنا قبل الحكم بكفره نتأكد أنه قد بلغته الأحاديث الواردة بذلك، وليس ذلك مثل وحدانية الله وعلوه على خلقه وكونه عليماً قديراً حياً سميعاً بصيراً؛ لأن هذه لا تتوقف على السمع قال إبراهيم الخليل: (يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا). ثانياً: التأويل السائغ قد يؤثر ممن يخفى عليه ذلك، كما تريث الصحابة في الحكم على مستحل الخمر تأويلاً بالكفر حتى كشفوا عنه الشبهة،وتريثوا في تكفير الخوارج مع استحلالهم لدماء المسلمين وأموالهم وليس من هذا الباب تأويل الأشاعرة والجهمية وعموم المبتدعة فهذا غير سائغ ولا مقبول،بل هم ممن شاق الرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين.

ثالثاً: يؤثر الإكراه في الحكم بالكفر قال تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم). قال ابن عطية في تفسيرها: (من عذبه كافر قادر عليه ليكفر بلسانه وكان العذاب يؤدي إلى قتله فله الإجابة باللسان قولاً واحداً فيما أحفظ، فإن أراد منه الإجابة بالفعل كالسجود للصنم ونحو ذلك ففيه اختلاف؛ فقالت فرقة وهي الجمهور: يجيب بالتقية. وقالت فرقة: لا يجيب ويسلم نفسه. وقالت فرقة: إن كان الصنم نحو القبلة أجاب واعتقد السجود لله، وما أراه أن يسجد لله حينئذ حينما توجه وهذ مباح في السفر لتعب النزول عن الدابة، فكيف بهذا؟!) ثم ذكر نبذة جيدة في مسائل الإكراه.

اسم الفاسق والعاصي:

كل ما تقدم من تفصيل في إطلاق اسم (كافر) يستفاد منه في الحكم على عبد بأنه (فاسق) أو (عاصي)كلٌ بحسبه، والأسئلة الأربعة واحدة ،وإنما بدأنا بالكافر لخطورته، ونزيد الأمر توضيحاً فنقول:

الدائرة العلوية تُرى من خارج كأنها دائرة واحدة، لكنها من الداخل طبقات؛ ففيها الدائرة الكبرى التي تضم حديثي الإسلام ممن لمّا يدخل الإيمان في قلوبهم لكنهم في الطريق لذلك، وتضم مسلمين قدماء لكنهم ضعيفوا الإيمان يفعلون كبائر القلب واللسان والجوارح، وتضم مبتدعة، وتضم منافقين أضمروا كفرهم وأظهروا الاستسلام والقبول والانقياد، فكل هؤلاء يدورون في هذه الدائرة (دائرة الإسلام).

ثم داخل هذه الدائرة دائرة أصغر وأعلى وأضوأ؛ وهي (دائرة الإيمان) ولا يصعد إليها ويدخلها إلا المسلمون الذين حسُن إسلامهم وصحّ فهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ولا يصرون على الذنوب، بل يبادرون بالاعتذار والتوبة،ويحسنون الفرائض والنوافل ويفعلون الخير. ثم هم درجات داخل هذه الدائرة، فأعلاهم من وصفهم الله بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون) إلى قوله: (أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) ووصفهم بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون) فهؤلاء لو شككوا لم يرتابوا، ولو أمروا بالهجرة والجهاد بأنواعهما لم يتأخروا،ووصفهم بقوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون) إلى قوله:(أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) ووصفهم بقوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) إلى قوله: (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا) والفردوس والغرفة: هما أعلى الجنة تلك الدائرة العلوية الأخروية، وعلى حسب مقامه في هذه الدائرة يكون منزله في تلك الدائرة.ثم يصل الإيمان بالعبد حتى يصعد إلى مرتبة داخل الإيمان هي الإحسان؛ فيصعد أولاً إلى مرتبة (المراقبة الدائمة لله) فهو مستشعر في كل لحظة أن الله يراه فهو دائم الحياء دائم الدَأَب والاجتهاد، ثم يصعد منها إلى مرتبة (المشاهدة الدائمة) فهو مستشعر في كل لحظة أنه يرى الله بجلاله وجماله وكماله فهو دائماً في قلبه وبين عينيه، فما ظنكم بحاله!!،وهذه أعلى المراتب يُبلّغها الله النبيين والصديقين من أولياء الله الصابرين على أمره وعن نهيه والمصابرين والمرابطين. والصعود من دائرة الإسلام الكبرى إلى مرتبة المشاهدة الدائمة قد يتم في مدة وجيزة بتوفيق الله وبقدر ما يبذل العبد؛وذلك كحال سحرة فرعون فهم في أول النهار سحرة أشقياء وفي آخره صديقون شهداء،فإخلاصهم وعزائمهم وصبرهم أحرق المراحل بسرعة فائقة، لكن العادة أن يكون الصعود مع الأيام والليالي إذا واظب على إحسان العمل لا كثرته،وعلى ترك السيئات؛ ولذا جاء في الحديث: (خيركم من طال عمره وحسن عمله).والهبوط يكون من المشاهدة إلى المراقبة، ثم إلى درجات الإيمان.

ثم إذا اجترح الكبائر - وهي: كل ذنب رُتب عليه وعيد في الآخرة أو حد في الدنيا- فإنه يهبط من الإيمان إلى الدائرة الكبرى (دائرة الإسلام) ويذهب عنه اسم (المؤمن) بإطلاق، قال عليه الصلاة والسلام (لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) ويستبدل هذا الاسم الطيب باسم (الفاسق) قال تعالى بعد التحذير من بعض الكبائر: (بِئْسَ الاِسْمُ: الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون).

وأعظم الكبائر ترك الفرائض - عدا الصلاة فتركها كفر-؛ كترك الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك التعلم الواجب،وترك الزكاة والحج والصيام، ثم بعدها كبائر المحرمات كالزنا والكذب والغش والغيبة والعجب والكبر والمن والإسبال والنميمة والسرقة والخمر ونحو ذلك.

فإن فعل الذنوب من غير الكبائر مما لم يرتب عليه حد أو وعيد استحق اسم (العاصي).مع عدم الغفلة عن السؤال الرابع المتقدم وهو:هل لهذا الفاسق أو العاصي عذر سائغ عند الله في ارتكابه الذنب.

  

أخيراً:

إذا تأملت ماتقدم انكشفت لك كثير من الحقائق، وعرفت ضلال الفرقتين اللتين ضلتا في هذا الباب وهما المرجئة والخوارج، وهما أول من ضل من هذه الأمة،وآخر من يبقى من الفرق الضالة؛حتى قال عنهما حذيفة رضي الله عنه "حق على الله أن يحشرهما مع الدجال"؛ فالمرجئة يقولون: من فعل الكبائر وترك الفرائض يبقى في دائرة الإيمان العلوية، ولا ينزلونه لدائرة الإسلام بل يقولون إيمانه كإيمان جبريل والخليلين،والذنب لا يضره؛ وبذلك فتحوا باب الإباحية وهدم الإسلام على مصراعيه،ثم في عصرنا وصل بهم الأمر مداه فقالوا: من لم يترك ملة الكفر وبقي على عبادة الأوثان فهو مسلم ما دام ينطق الكلمة؛ ففتحوا باب الكفر على مصراعيه واختفت الحدود بين الإسلام والكفر. والخوارج يستعرون استعاراً على تكفير المسلمين بالظنون، وكل من أذنب من المسلمين ذنباً -من غير عصابتهم- ألقوه من دائرة الإسلام إلى حفرة الكفر، وعاملوه معاملة الكفار،لا يفرقون بين الذنب الذي اتضح كالشمس أنه يخفي وراءه كفراً، وبين الذنب المجرد، وإذا نظروا إلى الحكم بغير ما أنزل الله أو معاملة الكفار لا يبحثون حال الشخص هل يخفي الكفر أو لا؟ بل يعدون هذا الذنب كفراً بذاته، ويسعون في سفك دماء الموحدين واستحلال أموالهم،وأصدق وصف لهم قوله تعالى (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا،فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) وقوله عليه الصلاة والسلام(يدعون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإسلام).ونظراً لأن (الأعرابية) وصفٌ وليست عِرقاً أو جنساً بعينه فهي مع البداوة كالغنى مع الترف؛ فقد فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأعراب والبوادي؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قبيلة (أسلم): (إنهم ليسوا (بالأعراب) هم أهل (باديتنا) ونحن أهل (حاضرتهم) وإذا دعوا أجابوا؛ فليسوا بالأعراب).أخرجه الإمام أحمد في مسنده. وفيه عن سلمة بن الأكوع الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا: (ابدوا يا أسلم_ أي في دار الإسلام_ فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب، وأنتم مهاجرون حيث كنتم). فنظراً لذلك ؛فأصدق وصف للمرجئة والخوارج هو قول الله تعالى (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ) فهم أضعف الناس هجرةً وجهاداً صادقاً وتوحيداً وعلماً وصدقا.وقد اشتد السلف على المرجئة الأوائل لما أرجئوا العمل، فكيف لو رأوهم اليوم وقد أرجأوا التوحيد. واشتدوا على الخوارج وكانوا أهل صدق وعبادة، فكيف لو رأوهم اليوم !!.فنسأل الله- الذي جعلنا موحدين حنفاء من غير سؤال منا ولا استحقاق- أن يزيدنا في دينه هذا يقيناً وبصيرة وفقهاً وثباتاً ، وأن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه، وألا يجعل الحق ملتبساً علينا فنهلك، وألا يكلنا لأنفسنا طرفة عين؛ وأن يصلي ويسلم ويبارك على رسوله محمد وعلى آله وصحبه.


عدد الزيارات:  3351  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض