الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

عقيدة الموحدين في المبتدع المعين

خلف

عقيــدة الموحــدين في المبتـدع المـعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على عبده ورسوله وبعد،،،

فقد قال الله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) [النساء:115]. وقال تعالى:( وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيب)[الشورى:14].

وقوله تعالى: (من بعد ما تبين له الهدى) صفة كاشفة لا مفهوم لها هنا، مثل قوله تعالى (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به)،وحديث (من ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله) بدلالة ما بعدها وهو أنه اتبع غير سبيل المؤمنين؛ فدل على أن ذلك في أمر واضح جلي قد تبين فيه الهدى وسلك المؤمنون فجاً وسلك هو فجاً آخر، وقد ذكر الله هذا القيد في الكفر الجلي الواضح فقال: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى) فهذه كتلك.

فهذه الآيات العظيمة هي الفرقان الواضح المحكم في الحكم على أهل الانحراف والضلال في الدين، وهي غُصة وشَجى في حلوق المبتدعين والمارقين والضالين، الذين يريدون جعل الدين كله قابلاً للاجتهاد والرأي.

وذلك أن مسائل الدين على درجات ثلاث هي:

الدرجة الأولى: ما كان من مسائل الاجتهاد؛ وضابطها: (ما اختلف فيه أو في مثله أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام ولم يَعِب بعضهم على بعض). فإذا كان الرجل من أهل الاجتهاد، وأخطأ في مسألة من هذا النوع فهو مأجور غير مأزور، والمرجع فيها حديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب؛ فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد).والمختلفون في هذا النوع لم يخرجوا من سبيل المؤمنين.

الدرجة الثانية: المسائل الخفية التي هي من قبيل (زلة عالم) _كما سماها عمر رضي الله عنه_  أو (زيغة حكيم) _ كما سماها معاذ رضي الله عنه_

وربما قال بها بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أو من بعدهم ولكن لم يتركه أصحابه حتى أنكروا عليه وردوا خطأه،فلم يجعلوها كمسائل الاجتهاد ولا جعلوها كالبدع، كفتوى ابن عباس رضي الله عنهما بالمتعة وربا الفضل، وفتوى ابن مسعود رضي الله عنه بربا الفضل، وفتوى أبي موسى رضي الله عنه في المواريث بغير حكم الله وردّه ابن مسعود وقال: ( قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين)، وفتوى عائشة رضي الله عنها في رضاع الكبير وردّ ذلك أمهات المؤمنين، ومثل ذلك كثير، والواجب في هذه الدرجة ردُّ الانحراف والخطأ، لكن صاحبه يحفظ له قدره وجل من لا يخطئ، وراجع مقال: (الأحكام الظاهرة) ففيه بيانٌ أوسع.

الدرجة الثالثة: ما كان من غير مسائل الاجتهاد ولا المسائل الخفية ؛ مما بيَّن الله أدلته ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقامت براهينه، ولم يختلف فيه الصحابة بل لم يخالف فيه أحد منهم أصلاً، فيُسمى المنحرف فيه (مبتدعاً) مباشرة. كالمنحرف في أركان الإيمان الستة وما يتعلق بها من مسائل المعتقد، ومسائل أصول الدين، كذلك المعلوم من الدين بالضرورة. ومن أمثلة ذلك: من انحرف في باب الإيمان بإرجاء أو خروج، والقائلين بالقدر، أو بتحريف الصفات، أو التبرك بالصالحين، أو التوسل بالأموات، أو اللمز في صحابي، أو الانتماء إلى طائفة تفعل ذلك أو تولي أهلها كالأشعرية مثلاً.

 فمن خالف في هذه المسائل وما كان في درجتها أو أشد منها؛ فنقول عنه بعينه: (مبتدع) قد شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين وتولى علماءه وآباءه وأشياخه، فهذا يوليه الله من تولى وتوعده بأن يصليه جهنم.

وممن يستحق هذا الوصف على اختلاف بينهم في درجة البدعة: ابن حزم، وابن العربي المالكي، والقاضي عياض، والشاطبي، وابن حبان، وأبو نعيم (صاحب الحلية)، وابن الجوزي الحنبلي، وابن عساكر، والخطيب البغدادي، وابن حجر الهيتمي، وابن حجر العسقلاني، وابن عبدالبر، وابن عطية، وابن عقيل الحنبلي، وأبو الحسن الأشعري، وأبو حنيفة، وأبو ذر الهروي، وأبو المعالي الجويني، وأبو يعلى الحنبلي، وأبو بكر الباقلاني، وأبو الوليد الباجي، والنووي، وداود الظاهري، والذهبي، والسيوطي، والشوكاني، والصنعاني، والعز ابن عبدالسلام، وأبو حامد الغزالي، والملقب زوراً بالفخر الرازي، والقرطبي المفسر، وحسين الكرابيسي، والحسن بن صالح بن حي، والحارث المحاسبي، والخطابي، وابن الأثير، والزمخشري، وابن بطال، والقسطلاني، وأبو إسحاق الإسفراييني، والبيهقي، والسبكي،  والشهرستاني، والطحاوي، والمباركفوري، والمناوي، والسفاريني، ومحمد رشيد رضا، والكوثري، والألباني، والبنا، وقطب ، والقرضاوي ... وغيرهم كثير قديماً وحديثاً.

وبعض هؤلاء المذكورين يستحق أيضاً اسم (المشرك) أو (الكافر)؛ كالرازي صاحب كتاب (السر المكتوم في عبادة النجوم)- ونبه على كفره الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب- وكُتُب الرازي قرر المبتدعة عندنا تدريسها في بلاد التوحيد-، وكالذي ينكر صفات العلو لله والحياة والقدرة والعلم والإرادة وأمثال ذلك من الصفات التي ليس طريقها السمع فحسب كصفات النزول والضحك والأصابع ونحوها التي يتوقف الكفر فيها على بلوغ السمع ثم رده.

فالموحد السُّني إذا اطلع من المذكورين ومن كان مثلهم عبر العصور على انحراف في هذه الدرجة، أو أخبره بانحرافهم ثقة سني متثبت، لا تروعه أسماؤهم فليس أحد أكبر من الحق، ولا تخدعه القواعد الفاسدة التي وضعها ابنُ عبدالبر وابنُ حزم والخطيبُ وابنُ عساكر في المئة الخامسة وتبعهم الناس عليها، وتركوا ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. ولا يرعبه زخرف القول الذي أشاعه ابن عساكر بعبارته الملغومة: (لحوم العلماء مسمومة)؛ لأنه إنما أراد علماء البدع؛ حيث رأيناه أجرأ الناس على علماء السُّنة بالفاحش من القول، كما في كتابه الخبيث (تبيين كذب المفتري في الذب عن الأشعري).وقال الجويني عن الإمام السجزي(التيس اللعين الطريد المهين عليه لعائن الله تترى واحدة بعد الأخرى) والسجزي لم يفعل شيئاً سوى أنه قرر الحق وفضح الأشعرية.

والموحد السني يحمد الله الذي هداه وعافاه، ولايخاف إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ويتمثل قول أبي الدرداء دائماً: (لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ثم تعود إلى نفسك فتكون أكثر لها مقتا). فلا يجعل هدايته للحق سبباً لزيغته؛ بالعُجب أو البغي أو التفكه بالأعراض أو التركيز على هذا المسألة لما فيها من حظ النفس وترك ما سواها من الدين،إنما هو شيء يعتقده بينه وبين ربه، وأما التصريح بوصفهم الشرعي للناس فهو خاضع للسياسة الشرعية.

والموحد السُّني إذا قيل له: (من يبقى لنا بعد هؤلاء؟!!) سيجيب بقوة نظرٍ وابتسامة: يبقى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والقرون الفاضلة، ومن تبعهم بإحسان عبر العصور ممن لم يشاق الرسول، ولم يتبع غير سبيل المؤمنين، أليس في هؤلاء غُنية ومقنع؟!

والموحد السُّني إذا تأكد فقط أن الانحراف هو في هذه الدرجة الثالثة لا يتردد في إطلاق اسم (المبتدع) على صاحبه؛ لأن هذا اسم ظاهر لا علاقة له بالعذر الباطن فهو كاسم (المشرك)، بخلاف اسم (الزنديق) فهو اسم باطن كاسم (الكافر) فلا يستخدمه إلا فيمن ظهر نفاقه.

والموحد السُّني لا يمنعه من إطلاق هذا الاسم وما يتبعه من أحكام على الشخص؛ كونه مشهوراً، أو مؤلفاً، أو ملقباً من أتباعه بألقاب فخمة؛ كالإمام، أو إمام الحرمين، أو حجة الإسلام، أو شيخ الإسلام، أو إمام الأئمة، أو فخر الدين، أو زعيم السلفية، أو قيل عنه: إنه خدم الإسلام أو السنة- أي فيما يظهر للجهال من الناس- أو غير ذلك. حتى لا نهلك كما هلك مَن قبلنا الذين إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد.

والموحد السُّني يعلم أن الله قد نهاه أن يسميهم أئمة فلا يعصي ربه؛ قال تعالى لإبراهيم عليه السلام: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ). ومن اتبع غير سبيل المؤمنين فهو ظالم ولاشك، فتسميته (إماماً) محادة لهذه الآية.

أما من أطاع العلماء في تغيير الدين وتسمية المبتدع إماماً وهو يعلم بدعته ويعلم نهي الله عن تسمية الظالم إماماً فقد اتخذهم أرباباً من دون الله.

والموحد السُّني لا تستوقفه خزعبلات ابن حزم الجهمي– القائل: إن الله سميع بلا سمع، عليم بلا علم- وبضاعته الكاسدة كقوله: إن الصحابة اختلفوا في رؤية النبي ربه وهي من مسائل العقيدة فيجوز الخلاف في العقيدة!! وقوله: إن شريحاً أنكر صفة (العَجَب) لله ولم يبدعه السلف! فهذه الخزعبلات تشبه ما قاله ليمنع تكفير المشرك بعينه حيث احتج بحديث التحريق وحديث ذات أنواط، وهي شبهات لا تزن البعر عند أهل العلم والإيمان وإن روّجها ونفخ فيها بعده من نفخ، كذلك لا يلتفت الموحد السني إلى التقعيدات الفارغة الهادمة لما عليه سلف الأمة التي حشا بها الذهبي كتبه، كقوله: ( فلانٌ من الأذكياء الأولياء وهو رافضيٌّ إماميٌّ جلد) فالمعافى يحمد الله.

فالمسائل التي لم يختلف فيها الصحابة ولم يخالف فيها أحد منهم، تكون أدلتها واضحة ومعلومة؛ ولذلك يضيق العذر فيها، ويصدق على المخالف أنه شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين- وسادة المؤمنين الصحابة رضي الله عنهم- وأنه تولى أناساً غيرهم، جعلهم قدوته في دينه فيوليه الله إياهم،كما ذكر الإمام محمد بن عبدالوهاب عن ابن حجر العسقلاني أنه ينقل حكاية البخاري إجماع الصحابة والتابعين على أن الإيمان: قول وعمل يزيد وينقص، ثم يقول: ومن أئمتنا المتكلمين من قال: الإيمان هو التصديق!!

 

وقال ابن تيمية رحمه الله (إن كثيراً من أصحاب أبي محمد من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون بمخالفة السلف في مثل مسألة الإيمان ومسألة تأويل الآيات والأحاديث ،ويقولون :مذهب السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وأما المتكلمون من أصحابنا فمذهبهم كيت وكيت،كذلك يقولون مذهب السلف أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصفات لا تُتأول، والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوباً وإما جوازاً!! ،ويذكرون الخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين،هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم!!، أفلا عاقل يعتبر ومغرور يزدجر أن السلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف، ثم يُحدث مقالة تخرج عنهم، أليس هذا صريحاً أن السلف كانوا ضالين عن التوحيد والتنزيه،وعلمه المتأخرون؟!، وهذا فاسد بضرورة العلم الصحيح والدين المتين. وأيضاً فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة وأقوال المتكلمين تارة..فلا يثبتون على دين واحد،وتغلب عليهم الشكوك،وهذه عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة، وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف.. ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض) الفتاوى 4/156.

فحتى لا يضعف أهل التوحيد الخالص والسنة المحضة أمام هؤلاء المبتدعة الذين بدلوا دين الله وفرَّقوه وكانوا شيعاً من بعد ما جاءتهم البينات، وحتى لا يبغي ويظلم، فالواجب أن ينظر في المسألة التي خالف فيها المخالف، فإن كانت ليست من المسائل الاجتهادية أو المسائل الخفية المستبشعة، فإن المخالف يستحق اسم (المبتدع) بعينه حفظاً للدين ونهياً عن المنكر ونصحاً للأمة أئمتها وعامتها؛ حتى تخرج من الأمر المريج (وانفصام الشخصية)الذي طال زمنه وتتابعت عليه القرون؛ حيث نجدها اليوم تغضب للخلق ولا تغضب للحق تعالى ولدينه، وتبدع الجنس دون المعين، وتبدع الأتباع دون المتبوعين، وتبدع المغمورين دون المشهورين، وتبدع الأحياء دون الأموات، وتفرق بين البدعة وفاعلها بإطلاق تام، وتنهى عن البدع ثم تمدح أهلها وتسميهم أئمة!! وتكفر الجهمية وتبرئ الأشعرية!!_ومن قرأ نقض عثمان ورسالة السجزي علم أنهم سواء وزاد الأشعرية بالمكر_  وتحارب الخوارج وتعظم الأشعرية مع أنهم أخطر وأخبث، _كما ذكر ذلك الإمام محمد بن عبدالوهاب في رسالته الرائعة (فضائح الأشعرية)_،وترد على سيد قطب الضال المضل وتمدح السيوطي والسبكي وابن حزم!!،وتقول عن المبتدعة: هم من أهل السنة ومن الفرقة الناجية في الجملة!!، وتدافع عن أناس وتغضب لهم وهم يكفرون أهل التوحيد والسنة ويسمونهم: مجسمة حشوية مشبهة؛ الدار التي يكونون بها تعتبر دار كفر وحرب، وقال الجويني _الذي قرر المبتدعة كُتُبه لتدرس في بلاد التوحيد_: (تكلم السجزي في نزول الرب ومجيئه ومن قال ذلك فقد حل دمه!!) نقل ذلك  عنه وما هو أخبث: السبكي في كتابه(السيف الصقيل)ص 202 ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ومن قرأ بتدبر من قوله تعالى (يحبهم ويحبونه) إلى قوله (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار) وعلم أن اسم (أهل الكتاب) يطلق على كل المغضوب عليهم ممن فسد من العلماء اتضحت له كل الأمور.

وصلى الله وسلم على محمد النبي وصحبه وآله.


عدد الزيارات:  2294  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض