الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

عقيدة الموحدين في المشرك المعين

خلف

عـقيدة الموحـدين في المشـرك الـمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وعبده وبعد،،،

فقد قال الله تعالى: (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار)

وقال تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون).

وقال تعالى:(سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا ومأواهم النار).

وقال تعالى:(وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم).

وقال تعالى: (ويقول أين شركائي الذين كنت تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين... إلى قوله ... فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها).

وقال تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا إلى قوله... وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار).

وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِين - قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ).

ولهذه الآيات نظائر كثيرة في القرآن؛ يجمع فيها رب العالمين بين ثلاثة أحكام يجب على كل موحد سني مخلص صادق أن يربط قلبه، ويقبض بيديه، ويعض بنواجذه عليها؛ في حكم كل شخص معين فعل الشرك الأكبر أو قاله أو اعتقده، ولو كان يلفظ كلمة التوحيد ويقوم بأركان الإسلام. وهذه الأحكام الثلاثة هي:

الأول: أنه (مشرك) يعامل معاملة المشركين الوثنيين في كل الأحكام في حياته ومماته؛ لأنه (جعل لله أنداداً). وهذا اسمه الظاهر وحكمه الظاهر المبني على عمله الظاهر.

الثاني: أنه (كافر) مرتد خارج عن ملة الإسلام، لا عذر له في فعل الشرك لا بجهل ولا خوف ولا هزل ولا سوء تربية، ولا تقليد آباء, ولا تلبيس أشياخ، ولا غير ذلك، وهذا هو حكمه الباطن، فكل من ثبت له الشرك الأكبر ثبت له الكفر مباشرة لانعدام الأعذار، لكن بالمقابل ليس كل من ثبت له الإسلام يثبت له الإيمان مباشرة؛ ولذلك نجزم للمشرك بالنار ولا نجزم للموحد بالجنة، وقد أمرنا الله أن نصرح له بالكفر في وجهه: (قل تمتع بكفرك قليلاً).(قل يا أيها الكافرون.لا أعبد ما تعبدون).

الثالث: أنه (من أصحاب النار) إذا مات على ما هو عليه في الظاهر؛ فنجزم له بذلك، ولا يُدعى له ولا يُترحم عليه ولا تُرجى له مغفرة ولا جنة، فأمرنا الله أن نُصرح له في وجهه ونقول: (إنك من أصحاب النار) أي إذا مت على ما أنت عليه فيما يظهر للناس، ثم نقولها بعد موته إذا مات على حاله فيما يظهر لنا.

وقد خالف في (أصل الأصول) هذا؛ طوائف من البشر من أهل العلم والديانة ومن غيرهم، وهم على ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: وهم أكثر الناس فجوراً وهدماً للإسلام وهم: من أبى واستكبر أن يطبق جميع الأحكام الثلاثة على المشركين؛ فلم يحكم لهم بالنار، ولم يحكم لهم بالكفر، بل ولا يحكم لهم بالشرك على ظاهرهم، بل يسميهم (مسلمين)!! مع أنهم عبدة أوثان، ويلبِّس على الناس أن مجرد التلفظ بكلمة (لا إله إلا الله) تعطيهم الحصانة وتمنع من إطلاق الشرك عليهم،وتجعل لهم خاصية عن الكفار الأصليين، دون أن يكون لكلمة التوحيد أي أثر أو معنى أو مقتضى أو شرط، فهذه الكلمة التي هي أثقل من السماوات السبع والأرضين السبع في الميزان جعلوها أخف من الهباء المنثور، والكلمة التي هي كلمة التقوى والفرقان جعلوها كلمة الفجور والبهتان.

وهذا الصنف لم يَعرف الإسلام الذي هو دين جميع المرسلين وهو ملة إبراهيم، ولم يكفر بالطواغيت المعبودين والعابدين، بل عرف إسلام الشياطين الذي يستوي فيه أهل الشرك والتنديد مع أهل الإخلاص والتوحيد، وعِباد الرحمن مع عُبَّاد النيران والثيران والأوثان؛فكلهم يسمون (مسلمين) وهذا النوع من الإسلام لا ينفع صاحبه في دنياه ولا في قبره ولا في آخرته.

ولم يُعرف هذا الصنف، ولم يجترئ أحد على إظهار هذا القول إلا في زماننا هذا الذي يسبق الدجال، ولا يُتعجب فيه من عَجَب، وتنقلب فيه الحقائق، فيصير التوحيد شركاً وتجسيماً، والشرك توحيداً وتعظيماً.

وهؤلاء خالفوا المحسوسات فضلاً عن النقل والعقل؛ فكل من بقيت فيه ذرةٌ من عقل، ورأى من جعل لله أنداداً سيسميه (مشركاً)،ولو كان يلفظ الكلمة ويصلي ويصوم ويحج البيت الحرام؛ لأن هذا وصف عمله الظاهر للناس بغض النظر عن عذره أو عدمه، كمن رأى سارقاً أو سمع كاذباً فإنه سيصفه بما ظهر منه ولو كان معذوراً. فغاية دين هؤلاء (السفسطة في العقليات والقرمطة في النقليات).

ومن مشاهير أهل هذا الصنف (الألباني وأتباعه) وضلال هؤلاء لا يشبه بحال ضلال الأصناف الآتية فمن الظلم البيّن جمع العاذرين بالجهل في وصف واحد، وبين أقوالهم من البُعد كما بين المشرقين. ولا يوجد أي فارق بين هؤلاء وبين الذين حاربوا الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله لما أظهر التوحيد وتكفير المشركين وأعطاهم أحكام المشركين، حيث اتهمه هؤلاء وأولئك بالغلو والتشدد وتكفير أهل (لا إله إلا الله)!! فأهلها عندهم من لفظها ولو لفظها!!

الصنف الثاني: من أطلق على عُبَّاد الأوثان وصف (المشركين) وأعطاهم أحكام المشركين، لكنه امتنع من إطلاق وصف (الكفر) عليهم، لاعتقاده بأن لهم أعذاراً تمنع من إطلاق الكفر عليهم حتى ترتفع هذه الأعذار، ففرّق بين الاسم الظاهر والاسم الباطن- كما هي القاعدة المطردة، وراجعها في مقال الأحكام الظاهرة-.

وأكبر ما دخل على هؤلاء: قياسهم الشرك على غيره في العذر- وبالقياس عُبدت الشمس والقمر كما قال السلف- فالشرك مخالف لكل شيء في هذا الكون، وقبحه وجريمته قد غرسها الله في العقول والفطر، والأنفس والآفاق، وأخذ على ذلك الميثاق، والرسل إنما تُذكّر الناس بالحق القديم عليهم؛ (فذكر إنما أنت مذكر)،والتوحيد له من الأدلة ما ليس لغيره البتة؛ ولذلك لا عذر لأحد في تركه البتة، فمن أشرك وادعى الجهل فهو كمن صلى خلف الحِجر مستدبر الكعبة وزعم أن القبلة خفيت عليه!!

والله قد سمى أهل الشرك (كُفاراً) قبل البعثة؛ فقال عن اليهود: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا). كما أنه سماهم (مشركين) قبل البعثة فقال: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة).

وقد أمر الله من رأى من جعل لله أنداداً أن يقول له: (تمتع بكفرك قليلاً).

ومن مشاهير أهل هذا الصنف (ابن تيمية ومن تبعه) فهو يحكم أن اسم الشرك يثبت قبل بلاغ الرسل(الفتاوى20/38)،وفي الرد على البكري يقول: (لا يمكن تكفيرهم لعدم من ينبههم) وهي من المسائل غير الاجتهادية لكنها زيغة حكيم. وقد وصف المعاصرون لابن تيمية- غفر الله له- منهجه فقالوا: (مذهبه: توسيع العذر للخلق كلهم!!) كما في ذيل الطبقات لابن رجب- غفر الله له- وهذا مخالف لما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.

الصنف الثالث: من أطلق على عُبَّاد الأوثان والقبور اسم (المشركين) واسم (الكافرين) ولم يعذرهم، وعاملهم معاملة أهل الشرك والردة في جميع أحكام الدنيا، لكنه امتنع من الجزم لهم بالنار بأعيانهم إذا ماتوا على شركهم في الظاهر.

 

وخطأ هؤلاء أيسر ممن قبلهم، لكنه ليس من المسائل الاجتهادية، بل هي زلة عالم وزيغة حكيم  وهي أخف من التي قبلها.

والشبهة التي دخلت على هؤلاء هي ما يلي:

أولاً: ظنوا أن هذا من باب التألي على الله وقولِ:(والله لا يغفر الله لفلان) وهذا التألي إنما يُنهى عنه مع أهل التوحيد، أما أهل الشرك فوالله لا يغفر الله لهم ولا يدخلهم الجنة إن ماتوا على ذلك-كما أخبرنا بذلك في كتابه- ونحن أُمرنا أن نقول لهم أحياءً وأمواتاً: (إنك من أصحاب النار) ولم نؤمر إلا بأمر يمكن تطبيقه؛ وهو الحكم بالظاهر.

ثانياً: اشتبهت على هؤلاء بعضُ قواعد البشر التي وضعوها وقالوا فيها: (ولا نحكم لأحد بجنة ولا نار إلا بنص) وهذه القاعدة البشرية إنما هي في أهل القبلة رداً على الخوارج الذين يقطعون بالشهادة على المسلمين وليست في الوثنيين.

ثالثاً: أنهم استرسلوا مع الاحتمالات والوساوس فقالوا: (لعله أسلم في غمرات الموت ونحن لا نعلم) وهذا من التكلف الذي لم نُؤمر به، ثم هو مخالف لظاهر القرآن، قال تعالى: (حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله) فهذا عند الوفاة وفيها الأحكام الثلاثة جميعاً–كما تقدم-. وقال تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم..). وقال تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار). وقال تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم). أي كفارٌ فيما ظهر للناس ولم نؤمر أن ننقب قلوبهم ولا نشق بطونهم. وقال: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). والآيات التي تبطل هذه الاحتمالات والوساوس لا حصر لها.

رابعاً: من الآيات المحكمات التي تقطع كل الشواغب في هذا الأمر؛ قوله تعالى (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) فقد نهى الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام والذين آمنوا معه عن الاستغفار للمشركين في الدنيا؛ لأنه قد تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وهم في الدنيا.

وأصحاب هذه الوساوس لن يتبين لهم في أي مشرك أنه من أصحاب الجحيم في الدنيا، بل ديدنهم: لعله.. ولعله... وهذا خلاف القرآن. وقد ذكر الله كلمة (تبيَّن) أي: ظهر وبان لكل أحد كالصبح لذي عينين، وذكر أنهم (أصحاب الجحيم) أي: أهله وسُكّانه.

ثم هب أنك حكمت عليه بما ظهر منه كما  أمرك الله، ثم في الآخرة تبين أنه أسلم عند نزع الروح، فهل خالفت أمراً لله سيؤاخذك عليه؟!.

خامساً: ومما يدل على بطلان هذه الوساوس حديث أبي رزين العقيلي العامري الصحيح عندما قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (أيما قبر قرشي أو عامري مات في الجاهلية مررت عليه فقل: إني رسولُ رسولِ الله إليك يبشرك بالنار).

وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل أهل الجاهلية ممن وقعوا في الشرك أنهم في النار، ولذلك عاداه المشركون وقالوا: حَكَم لآبائنا بالنار!

ولما مات أبوطالب همَّ  أبولهب أن يقوم بدوره في الدفاع عن ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه الخبيث أبو جهل ومن معه وقالوا له: سله أين أبوك عبدالمطلب؟! فسأله فقال: هو في النار، فعاد إلى شر مما كان عليه من العداوة؛ لأجل هذه المسألة. أخرجه ابن سعد في الطبقات. ولعَمرُ الحقِ إن المشركين قبل البعثة لأوسع عذراً من مشركي زماننا إذ لم يأتهم نذير، لو كان في التوحيد عذرٌ ينفعُ.

سادساً: لما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه المرتدين أبى أن يرفع السيف عنهم حتى يشهدوا أن قتلاهم في النار فشهدوا بذلك. وأجمع على ذلك الصحابة.

سابعاً: يُسأل أصحاب هذا القول: أين مسيلمة؟ فإن جزموا له بالنار، فيقال لهم: أين النص؟ وأيضاً ربما أسلم قبل موته، وإن قالوا: لا نجزم له بالنار فهذه فضيحة. والكفار المعتدون على مقام الإلهية أكفر من الكفار المعتدين على مقام الرسالة.

بل حتى عوام الناس فيما مضى، لم يكونوا يشكون ولا يترددون في الجزم للمشرك بالنار، وأنه ذهب إلى أمه الهاوية إذا مات على شركه ظاهراً؛ لأن هذه مسألة ظاهرة معلومة من دين الإسلام. والله المستعان.

    وأبرز هذا الصنف أكثر المعاصرين الآن. حتى إن منهم من اشتبه عليه الأمر فأبى أن يحكم لبابا النصارى بالنار بعينه،بعد موته!!

وكل هذه الأقوال يُلحظ فيها قول الله تعالى: (فهم في أمر مريج) على تفاوتٍ كبيرٍ بينها.

نسأل الله أن يرزقنا اليقين والبصيرة في الدين، ويحيينا ويميتنا على التوحيد الخالص والسنة المحضة.وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد.


عدد الزيارات:  3949  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض