الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

العرب والعلم (2)

خلف

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

العرب والعلم (2)

(نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)

سبق الحديث عن بعض خصائص العرب في العلم وهذه بعض منها أيضا:

الرابعة: بغضهم الشديد للتكلف والتقعر وحبهم للأمر الصافي والعميق والسهل المأخذ. ولذلك فأصدق وصف لهم هو وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق عندما قال: (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بيديه ثلاث مرات –أي ثلاثون يوما- ) الحديث.

ولذلك عندما تقارن بين علوم العرب وآدابهم وأشعارهم في القرون الأولى وبين ما حدث بعدهم ترى البون شاسعا، وتوقن أن المتأخرين تأثروا بعلوم الأمم الأخرى ونقلوها للإسلام بكل صفاتها ولهذا يصدق على كثير من هذه العلوم الوصف النبوي (لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى) أي أن الكلفة والمؤونة الحاصلة بسبب تعلم هذه االعلوم أضعاف أضعاف منفعتها، فهي علوم صعبة التحصيل قليلة الفائدة لا يفهمها البليد ولا يحتاجها الذكي، ومثال ذلك علمي أصول الفقه والنحو بصورتهما الأعجمية لا العربية. وعلم المنطق والفلسفة ونحو ذلك. قال تعالى (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين). يروى أن أحد العلماء تكلم فأطال الكلام وأبدى وأعاد وتكلف في تحسينه، وكان عنده أعرابي، فقال للأعرابي: ما تعدون العي فيكم؟ قال: ما أنت فيه منذ الساعة.

قال ابن تيمية رحمه الله عن العرب (الإقتضاء (1/400): ( إنما كان علمهم: ماسمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم، أو من الحروب. فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى... أخذوا هذا الهدى العظيم بتلك الفطرة الجيدة فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزله الله إليهم... فصار السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق الله بعد الأنبياء وصار أفضل الناس بعدهم من اتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة من العرب والعجم...فإذا نهت الشريعة عم مشابهة الأعاجم دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار قديما وحديثا، ودخل فيه ما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن عليه السابقون الأولون) وهذه قاعدة خطيرة عظيمة النفع جدا.

الخامسة: ومن خصائص العرب جودة الفهم وإصابة المراد، وذلك لما أعطاهم الله من أدوات العلم، وأيضا لنزول القرآن والسنة على ألسنتهم وطرق كلامهم ولذلك ففهم السابقين الأولين هو الحكم وهو المرجع.

فأما ما أعطاهم الله من آلة الفهم فقد قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في الاقتضاء (1/399) ما نصه: (وسبب هذا الفضل - للعرب – والله أعلم – ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أن الفضل: إما بالعلم النافع وإما بالعمل الصالح والعلم النافع له مبدأ، وهو قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ. وله تمام، وهو قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة. والعرب هم أفهم من غيرهم وأحفظ، وأقدر على البيان والعبارة. ولسانهم أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني، جمعا وفرقا، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل)

ولا شك أن الفقه هو الفهم وأن أكثر الناس حظا من الفقه الصحيح أكثرهم حظا من فهم كلام العرب وطرقهم في الحديث، وله أن يتوقف عند قوله تعالى (وربائبكم اللاتي في حجوركم) ويُتساءل لماذا لم يعمل أكثر الصحابة بهذا القيد فقالوا: الربيبة حرام على زوج أمها سواء تربت في حجره أو لا ! وعند قوله تعالى (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا) ويُتساءل لماذا قال أكثر الصحابة إن التعمد وغيره سواء في فدية الصيد، ونحو هذه الأمثلة. إن الجواب بلا شك كامن في فهمهم لمراد الله على حسب طريقتهم في الحديث، وأن بعض القيود يلحقونها بالكلام ويريدونها، وبعض القيود تخرج مخرج الغالب وهي غير مرادة، وهذا مستعمل في كلام العرب إلى يومنا هذا.

ومن هذا نتبين أن عجمة الفهم أخطر كثيرا من عجمة اللسان وأنه كما قال الحسن وأيوب وغيرهم: (غالب من تزندق بالعراق بسبب العُجمة). يروى أن أبا عمرو بن العلاء سأل عمرو بن عبيد عن سبب تكفيره للعصاة فقال: لوجود آيات ف المصحف توجب لهم الخلود في النار كآية القاتل وكقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها) ونحو ذلك. فقال أبو عمرو: من العُجمة أُتيت. إن العرب تمدح السيد القادر إذا أخلف وعيده وعفا، ولا تمدحه إذا أخلف وعده، ألم تسمع أحدهم يقول: وإني وإن أوعدته أو وعدته     لمخلف ميعادي ومنجزه وعدي


عدد الزيارات:  973  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض