الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

مسألة الأسهم

خلف

مسألة الأسهم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فهذا ملخص لموضوع الأسهم التي أصبحت من فتن هذا العصر المتكاثرة وهي نوعان هما:
النوع الأول : المضاربة في الأسهم
من أخطر الأمور التي فتحت باب الحيل على المسلمين،وباب الفوضى في دين الله،وإظهاره بمظهر القابل للعبث والاستهزاء عدم اعتبار القصد عند النظر في الأشياء. فمن لم يعرف مقصود الشرع من إباحة النكاح وتحريم السفاح، ومبالغته في التفريق بين الأمرين حتى قال تعالى: ﴿ محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ﴾ لم يَرَ بأساً بنكاح التحليل، لتوافر أركانه وصورته الظاهرة.
ومن لم يعرف مقصود الشرع من إباحة البيع وتحريم الربا، حتى وبخ الكفار الذين لم يعرفوا الفرق بينهما وقالوا: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ لم يرَ بأساً ببيع العينة لتوافر أركانه وصورته الظاهرة.فنكاح التحليل وبيع العينة صنوان.
وأدنى منهما درجة: النكاح بنية الطلاق، ويقابله بيع التورق، ففيهما تحققت بعض المقاصد من العقد ولم يتحقق بعضها؛ ولذلك اختلف فيهما العلماء ولم يختلفوا في الأولين.
قال ابن القيم:
«فقيه النفس يقول: ماذا أردت؟ ونصف الفقيه يقول ماذا قُلْت؟».
وهاهنا مثال واحد على أثر إغفال مقصود الشرع، وذلك في ما يعرف في عصرنا بمسألة المضاربة في الأسهم، والمراد بها: شراء أسهم شركات لا بقصد المشاركة، وإنما بقصد شراء سهم لتوقع المشتري أنه سيأتي بأضعاف قيمته، وقد يصدق توقعه، وقد يذهب ماله كله، وقد لا يأتي من الربح بما يستحق التعب، وقد يأتي ببعض الربح فقط.
فالذي يقوى في ظني أن هذه المعاملة مناقضة لمقصود الشرع من وجوهٍ عدة هي:
أولاً - أنها مقامرة أُلبست ثوب المشاركة، فلابد أن يخلع الثوب لتظهر الأمور على حقائقها، وشتان بين المشاركة التي تعمر الأرض ويكمل كل واحد من العاقدين نقص صاحبه، والتي يحبها الله حتى قال في الحديث القدسي: أنا ثالث الشريكين.
شتان بينها وبين المقامرة التي يبغضها الله، وقرنها بالأنصاب والأزلام والخمر فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾
ومن لم يفرق بينهما فهو كمن لم يفرق بين البيع والربا، وقال ﴿إنما البيع مثل الربا﴾.
فالمشاركة تراد لنماء المال وعمارة الأرض وابتغاء فضل الله، وكل واحد من الشريكين يبذل النفع الذي يقدر عليه؛ إما نفع ماله وإما نفع أرضه وإما نفع بدنه، ثم يشتركان فيما قسم الله.
والمقامرة هي: دفع مال مقابل مال يتوقع حصوله، قد يحصل وقد لا يحصل، وقد يحصل في زمن قصير أو طويل، وقد يحصل كله أو بعضه؛ ولذلك عُدَّ بيع الغرر من القمار والميسر، وحكمه يختلف بحسب درجة المقامرة التي فيه وفحش الغرر.
ومن تدبر واقع هذه المضاربة وجد أن أهلها لا يقصدون المشاركة، بل قد لا يعرفون نوع الشركة، ولا نشاطها، ولا القائمين عليها، ولا أصولها، ولا أرباحها أو خسائرها، وإنما نظرُ المضارب - غالباً - في السهم دون ما وراءه، ولذلك قد توجد شركات يضارب في أسهمها قبل أن تكون لها أصول وموجودات.
ثانياً - أن الله حرم الربا وما يشبهه وما يؤدي إليه مما يتحقق فيه مقصود المنع من الربا. ومن تدبر حال السهم بوصفه ورقة مالية وجده يَمُر بالمراحل التي مرت بها الأوراق النقدية - إن لم يكن قد قطعها -؛ فإن النقود الورقية كانت في أول أمرها سندات تثبت لحاملها جزءاً من خزينة الدولة يماثل ما هو مكتوب على الورقة، ثم تطورت حتى أصبحت الورقة النقدية نقداً برأسها.
والسهم في حقيقته جزء مشاع من الشركة، والورقة سند بذلك، ثم أصبح السهم في المضاربة يراد لذاته، وضعفت علاقته بأصله؛ ولذا قد تجد شركات رابحة وقيمة أسهمها زهيدة، وشركات خاسرة أو وهمية وأسهمها مرتفعة. والذي يشتري السهم في المضاربة لا يقصد حقيقة المشاركة، وإنما يقصد دفع مال ليأتي بأكثر منه - كما يتوقع - عن طريق المضاربة والغرر، وإلا فإن التجارة بالبيع والشركة يتم فيها دفع مال يتوقع أن ينمو ويأتي بأكثر منه، لكنه عن طريق التجارة والشركة الحقيقية وابتغاء فضل الله، لا عن طريق الغرر المجهول العاقبة، والفرق بين الشركة والقمار كالفرق بين الربا والبيع.
والربا: ما يربو بذاته دون عمل معتبر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«الخطر خطران:
خطر التجارة: وهو أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها بربح، ويتوكل على الله في ذلك، فهذا لا بد منه للتجار، والتاجر يتوكل على الله ويطلب منه أن يأتي بمن يشتري السلعة بربح، وإن كان قد يخسر أحياناً، فالتجارة لا تكون إلا كذلك.
والخطر الثاني: خطر الميسر الذي يتضمن أكل أموال الناس بالباطل، فهذا الذي حرمه الله ورسوله، مثل بيع الملامسة والمنابذة، وحبل الحبلة، والملاقيح، والمضامين، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها».
ثالثاً - أن الدخول بنية الخروج يؤثر في العقد ويدل على أنه ليس هو المقصود، وهو درجات: فأشده مثل نكاح التحليل وأدنى منه النكاح بنية الطلاق، وكذلك مثل بيع العينة وأدنى منه بيع التورق، وكذلك من دخل في الشركة بنية الخروج لا بقصد المشاركة.
وهذا يختلف عن الوضع المعتاد؛ لأن كل متزوج - مثلاً - سينهي العقد إذا لم ير المصلحة في استمراره، وكل مالك سيبيع ولو بيته الذي يسكنه إذا جاءه السعر المناسب، لكن هذا لا يُبحث، ولا يُعتبر بيته من عروض التجارة، فهكذا هنا.
رابعاً - أن من مقاصد الشرع الدعوة للإسلام بالقول والفعل والتطبيق الصحيح للإسلام الذي يُرغِّب الناس في الدخول فيه، فإظهار الإسلام بالمظهر الحسن عن طريق تطبيقه كما نزل أمر مقصود، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "حتى تعلم يهود أن في ديننا فسحة" . وهذه الحيل تصادم هذا المقصد العظيم للشرع.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن النصارى بدمشق لما رأوا انتشار نكاح التحليل بين المسلمين وفتاوى بعض أهل الحيل بجواز ذلك كانوا يقولون: إن نبي المسلمين يأمر أحدهم إذا طلق امرأته وأراد استرجاعها أن يبحث لها عمن يزني بها حتى تحل له، وقالت الرافضة: أنتم تعيبون علينا نكاح المتعة وتفعلون ما هو أخبث منه وهو التحليل. قال الشيخ: وصدقوا؛ فإن المتعة أبيحت في بعض الأوقات بخلاف التحليل.
وهذه من جناية الحيل على الإسلام وأهله ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
وبعض الناس اليوم يقولون: من أراد الربا فلا يضره أن يغير اللافتة ويسميه بيعاً، ومن أراد المقامرة فليسمها بغير اسمها؛ ولذلك تجد أهل الربا المُعرقين فيه يتسابقون على بعض ما يسمى في عصرنا بالخدمات الإسلامية؛ لأنهم لم يجدوا فرقاً مؤثراً بينها وبين عملهم إلا في الاسم وبعض الإجراءات الشكلية.
خامساً - أن من مقاصد الشرع عمارة الأرض بما يعين على عبادة الله. قال تعالى: ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾ وقال تعالى: ﴿كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور﴾ .
وهذه المضاربة في الأسهم تصادم هذا المقصد فقد أضرت بأرباب الزراعة والتجارة والصناعة والعقار وغيرهم، بل أضرت بأرباب الوظائف وأضرت بالتعليم والأمور الضرورية؛ لانشغال الناس بها وتهافتهم عليها، كما أنه تحقق فيها أحد مقاصد المنع من الربا وهو أن العبد لو سمح له أن يقرض دراهمه بزيادة فلمَ يشقى ويتعب؟؛ وبهذا يكون المال دولة بين الأغنياء. وهذا منطق الناس في زمننا يقولون: لم نشقى ونتعب ونحن نستطيع تحصيل المال دون عمل شيء؟. وهذا هو الذي لا تأتي به الشريعة وأثره على الجميع سيكون بالغ الخطر، وقد اكتوى بناره من جرب هذه المعاملات من الشعوب الأخرى وأصبحوا يفرقون بين الاقتصاد الحقيقي وبين الاقتصاد المالي، وأصبحت بعض الشركات المنتجة تدفع من رصيد الأبحاث والتطوير مبالغ كثيرة تدخل بها السوق لتحمي نفسها من المضاربين، وهكذا تفعل الدول مع عملاتها وسلعها الأساسية.
سادساً - أن من مقاصد الشريعة التراضي بين الطرفين، وفي المضاربة الحديثة لا يعرف كل من العاقدين صاحبه، وقد يغشه كل مرة وهو لا يشعر، ولو عرفه لما رضي بالتعاقد معه.
سابعاً - أن من مقاصد المنع من الميسر أنه يورث العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهذا واضح جلي في هذه المضاربة لمن عرفها أو جربها، خاصة أنها لا تخلو من النجْش، والتزوير، وبث الإشاعات الكاذبة، والمكر، وغير ذلك.
فالخلاصة: أن الله تعالى لم يخلق المال لنفعل به هكذا، لمن عرف مراد الله حقاً.
النوع الثاني: الاستثمار في الأسهم
والمستثمر هو من يشتري الأسهم بغير نية المضاربة وإنما بنية المشاركة في الربح والخسارة فهذا يجوز بشروط:
1- أن يكون النشاط مباحاً تماماً كالزراعة والصناعة والتجارة.
2- أن لا يكون للشركة نشاط فرعي محرم ككثير من الشركات التي يدخل في أرباحها فوائد ربوية من الودائع، أو أموال قمار عن طريق المضاربة في الأسهم ونحو ذلك.
3- ألا تقترض الشركة لتمويل نشاطاتها من البنوك الربوية أو المسماة زوراً بالإسلامية لأن القروض البنكية كلها ربوية سواء جهرة أو حيلة، فالقرض في الإسلام هو القرض الحسن فقط لا غير ،وهذا ما يستحيل أن تقدمه البنوك ولذلك يحتالون على الاسترباح في القرض بشتى الحيل ومنها إظهار عقود صورية غير مرادة وإنما يراد منها أن تقوم بدور المحلل فقط.
ومن تدبر هذا الشروط علم أن الأسهم التي تنطبق عليها هي في حكم النادر، ولذا صدق علماؤنا الراسخون عندما قالوا بالحرف الواحد: إن الأسهم اليوم تدور بين الحرام البين والشبهة ويندر فيها الحلال البين فمن استبرأ لدينه وعرضه فليجتنبها ، والتوفيق من الله لمن علم فيه خيرا ، وصلى الله على محمد،،


عدد الزيارات:  1628  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض