الأمر الأول - ملتقى أهل التوحيد
الرئيسية

تارك التوحيد هل يعذر

خلف


تارك التوحيد هل يعذر

 

إن الحمد لله, نحمده ونستعينه, ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا
أيها الناس اتقو الله تعالى حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى وفروا من النار وفروا من الشيطان إلى الله فإن الله يفرح بقدومكم عليه وتوبتكم إليه أعظم الفرح وهو غني عنكم وعن أعمالكم. عباد الله تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن واعلموا أن أصدق الحديث وأنفع الكلام للناس كلام الله عز وجل وأن أحسن الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن شر الأمور محدثتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة في الله أن من أخطر الأمور وأشدها خطرا على الإسلام وأهله هي أن يخوض الخائضون في أصول الدين وفي المسائل الكبرى وفي مسائل قد فرغ منها وأجمع عليها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم أهل القرون الفاضلة ومن تبعهم بإحسان ثم يتبع فيها المتشابه من أقوال العلماء أومن النصوص و يثار الكلام فيها على خلاف ما كان عليه الأولون . وإن من أمثلة ذلك أيها الإخوة ثلاث مسائل بعضها آخذ برقاب بعض وتحتاج كل واحدة منها إلى موضع يفصل فيه الكلام وينقل فيه الإجماع
فأول هذه المسائل القول بأن المؤمن يكون مؤمنا ولو ترك العمل ولو لم يعمل خيرا قط أو القول بأن جنس العمل يكفي حتى يصدق على العبد أن يكون مؤمنا لله عز وجل دون عمل أو أدنى عمل وهذه مسألة لا نعرفها في كلام الله ولا كلام رسوله ولا أهل القرون الفاضلة وإنما هذه اللفظة إنما عرفت عند المتأخرين والأوائل يقولون الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان ، وأقل عمل حتى يطلق على صاحبه اسم الإيمان هو الصلاة .
ثم جاءت المسألة الثانية وهي أخطر من الأولى والأولى مقدمة لها فخاض الخائضون وقالوا تارك الصلاة الذي لم يركع لله ركعة هو أيضا مؤمن ومسلم وهذا خلاف لإجماع الصحابة وإلى الآن لم يأت أحد بصحابي واحد لا يكفر تارك الصلاة . ثم جاءت ثالثة الأثافي وأعظمهن خطرا فقالوا: وتارك التوحيد أيضا عابد الوثن وعابد القبر هذا أيضا مسلم جاهل مسكين لا ننزع عنه اسم الإسلام حتى يبلغ الحجة لا بل حتى يُفهم الحجة ويفهمها وهذا أمر لم يقله أحد منذ نوح عليه السلام وإني ذاكر لكم بعض ما في كتاب الله عز وجل عن هذه المسألة التي هي أوضح مسألة في كتاب الله ولم يتكلم القرآن عن مسألة كما تكلم عن هذه المسألة وأما تلك المسألتين فلهما موضع آخر .
أيها الإخوة في الله استمعوا لكلام الله وكلام رسوله بقلب من يبحث عن الحق فإن الله لا يفتح القلوب حتى يعلم منها الصدق في البحث عن الحق وانسوا تلك التصورات الأولى والشبهات المتعارضة واستمعوا إلى كلام ربكم إن القرآن ينضح ويمتليء بأن أمور الدين على نوعين أمور لا يمكن أن يعلمها العبد إلا من قبل السمع حتى يسمعها ولو أجتهد عمره كله وعقله كله لن يبلغها حتى يسمعها فهذه عذر الله الناس فيها حتى يبلغهم السمع فإذا سمعوا قامت الحجة عليهم وهي أمور السمعيات ومن ذلك نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلو أجتهد العبد ما أجتهد فلن يصل بنفسه وبعقله وبفطرته أن يعلم أن الله قد بعث نبيا اسمه محمد وأوجب علينا سماعه حتى يسمع به فإذا سمع به من الناس وجب علية أن يبحث عنه ويبحث عما يقول قال علية الصلاة والسلام( والذي نفسي بيده لا يسمع ) فعلق الأمر بالسمع( بي يهودي ولا نصراني ) أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني (ثم لم يؤمن بي إلا ادخله الله النار ) ولذلك وجب على كل ن سمع بالنبي علية الصلاة والسلام ولو في أذان ولو في كلمة ولو في حديث مجالس أن يبحث عنه كما كان أصحاب رسول الله الذين لم يكونوا في مكة كابي ذر سمع من الناس أن رجلا أتى في مكة بدين جديد فوجب علية البحث , فارسل أخاه ثم ذهب بنفسه ,هذا في الأمور السمعية , وأما التوحيد أيها الأخوة , فان الله لم يقم فيه الحجة بالرسل فقط ,وإنما حجج التوحيد تملأ البر والبحر والسهل والسماء والأرض , وإنما الرسل تأتى لتؤكد هذا الأمر وتنذر وتبشر , حجج التوحيد في كل شيئا أولها لما خلق الله أدم , واخرج ذريته من ظهره كالذر قال لهم { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ}أي المستحق العبادة {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا } فاخذ إقرارهم وشهادتهم , وشهادة بعضهم على بعض ,وشهادة الملائكة عليهم , ثم ذكر الله أعذارا قد يقولوها , وللأسف انك تسمعها اليوم من بعض المنتسبين للعلم , قال الله {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين}أي لا نذكر هذا العهد , وتسمع اليوم هذه الكلمة , لا نذكر هذا العهد , كانا لا نؤمن بالغيب , كانا لا نؤمن إلا بالأمور المادية , إنا نؤمن أن الشيطان يجرى منا مجرى الدم , ونحن لا نحس به , أن التوحيد مغروز في الفطر , مخلوقا ابن ادم يوم خلق حنيفا موحدا , أن الشرك خلاف للفطرة والعقل,أن المشرك يحس بأنه نشاز في هذا الكون يحس بأنه مخالف في هذا الكون وقال تعالى {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق}[الحج:31] {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}[الأنعام:125] لذلك يلجئون إلى الخمور حتى ينسوا هذا الاكتئاب وهذا المرض الذي يحسونه , إن الشرك نجاسة يعرفها كل واحد ولذلك احتج الله على ابن ادم بهذا العهد , والله لا يحتج إلا بحجه , والمخلوق لن يعترف . قال علية الصلاة والسلام ( إن الله يوم القيامة يقول للكافر , لو كان لك ملئ الأرض ذهبا أكنت تفتدى من هذا العذاب, قال إي والله يا رب, قال أردت منك أيسر من ذلك , وأنت في ظهر أبيك) , ولم يقل أرسلت إليك الرسل والأنبياء , بعثت إليك الرسل وأنزلت إليك الكتب , احتج علية بالعهد , وأنت في ظهر ادم , ولم يقل المخلوق يا ربى ما جاءني رسول (أن تعبدني ولا تشرك بي شيئا ) , وهذا ردا على من قال أن العهد على توحيد الربوبية ,لقوله الست بربكم قال الله ( أن تعبدني ولا تشرك بي شيئا) فيعذبه الله في النار والله إن هذه لحجه والله لو لم يأتي إلا هذه الحجة لكفت .
والعذر الثاني {أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون} وهذه تسمعها الآن من بعض منتسبين العلم , أضلهم علمائهم , ففسروا قوله لا اله إلا الله بغير تفسيره , أضلهم أبائهم هذا كلام الله ليس لهم حجة {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون} والحجة الثانية على ابن ادم الفطرة قال علية الصلاة والسلام ( كل مولود يولد على الفطرة ) {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه قد يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) هو مولود هو الذي بدل هو مولود يوم ولد على التوحيد هو الذي بدل هو أو أبواه أو أمه , {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ} وقال الله عز وجل أني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين , أطاعوا الشياطين وتركوا داعي الله أهؤلاء معذورون.
والثاني من الحجج هو العقل ركب الله فيهم العقل والسمع والبصر , أدوات العقل حتى يعقل , أن الله هو ربه , وهو المستحق للعبادة ولذلك يبين الله أن الحجج على نوعين سمع وعقل , السمع في السمعيات والعقل في العقليات , والفطريات أمور التوحيد يكفى فيها العقل والفطرة , إنما تأتي الرسل لتؤكد لتبشر لتنذر فقط . قال الله{ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير}والنذر كثيرة وليس المقصود النذير البشري فقط ولذلك بين الرسول علية الصلاة والسلام أن عبدالله بن عبدالمطلب في النار , و هو لم يأته نذير بشرى , قال الله{ مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ }ولكن أتته نذر كثيرة في التوحيد , ليس منها النذير البشرى قال الله { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير} {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِير} {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ }لو كنا نسمع في السمعيات أو نعقل في العقليات {مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير} {فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِير} فبين الله أن الحجج على نوعين وقال الله {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}وهؤلاء عباد القبور , عباد الأوثان من نوح عليه السلام , يعبدون أهوائهم , يكذبون {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} ثم ذكر الله أدله العقل {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } إلى قوله{ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا}, وقال {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا}لكن التوحيد ليست الحجة فيه النذير البشرى الذي يبعث وإنما نذر الله المتكاثرة , ومن ذلك السمع والبصر وكل شيء . كما قال القائل في كل شيء له آية تدل على أنه الواحد , بل أن أهل الشرك يوقنون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت النافع الضار , ثم يصرفون العبادة لغيرة , والله لو لم يأتهم نذير فهم أهل الشرك وأهل الظلم وأنهم مستحقون للعذاب ولو لم يأتهم رسول أن الشرك لظلم عظيم , يا سبحان الله , ثم كانت عشرة قرون بعد ادم , كلهم على التوحيد ولم يأتهم نبي , لان أول نبي أرسل إلى البشر هو نوح , لكن قبل نوح بدلوا بدل أهل الأرض وأنشئوا الشرك واجتالتهم الشياطين , ومن مات قبل نوح وهو أول الرسل فهو مشرك كافر , لأنه بدل ترك التوحيد واتبع الشياطين , يا سبحان الله , أفلما بدل عذر , هو بدل وغير وترك دينه أطاع داعي الشيطان , وترك داعي الرحمن فلما جاء نوح , ما جاء نوح ليعلمهم التوحيد وهم لا يعرفونه , لا والله و لكن لينذرهم , وقال الله {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} الرسل مبشرين ومنذرين , ومثال ذلك أيها الناس لو أن رجلا أقرض رجلا وجحد المقترض فأراد أن يعاقبه ويرفعه إلى السلطان , ولكنه أراد أن يعذر إليه , فأرسل إليه من يخوفه وينذره ويقول اتقى الله لا تجحد حق الرجل , ثم بعد ذلك يرفعه أفتظنون أن المقترض الجاحد انه معذور حتى يأتيه من ينذره ويخوفه لا والله هو جاحد منذ أن جحد العقد الأول وإنما هذا كما قالت العرب قد اعذر من انذر , يعنى قد بلغ الغاية في الأعذار من انذر وحذر , قبل أن يأخذ بالعقوبة , وإلا من اخذ بحقه قبل الأعذار فانه عادل , وليس بظالم . ولله المثل الأعلى تأملوا هذا المثل , هكذا الرسل , وهذا صريح في القران وفى السنة , إن الرسل إنما هم للأعذار , لقطع السنة الناس , لان الإنسان أكثر شيء جدلا , يعلم الله منه الشرك والكفر والكبر ولكنه يجادل , فلذلك يقطع الله الألسنة , وإلا فحجة الله قائمة عليه , وهكذا من نوح إلى محمد صلى الله علية وسلم , كل من بدل وغير وأشرك فانه مشرك كافر , ولو لم يأته نذير وحجة الله عليه قائمة .
الفتية أصحاب الكهف بالله عليكم هل جاءهم نذير بشرى , علم الله فيهم خيرا فاسمعهم , وهم في وسط الظلمات { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} هذا الشطط في العقل لا يحتاج إلى رسول { رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}{هَؤُلاَء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}هؤلاء أفتروا على الله إلى أن قالوا {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا}بالله عليكم أليس هؤلاء الفتية حجة على قومهم ولم يأتهم رسول .
سلمان الفارسي كان في الظلمات يعبد النار , علم الله فيه خيرا فاسمعه فتنقل من إيران إلى العراق إلى الشام إلى الحجاز ليبحث عن الحق , هو حجة على الفرس كلهم , يقال لهم يوم القيامة لما لم تفعلوا مثل سلمان , أن كان فيكم خير أن كنتم تريدون الخير , مشايخ سلمان النصارى الصادقين الذين امنوا ما بدلوا حجة على النصارى , كل شيخ منهم يقول لا اعلم أحداً من النصارى إلا وقد بدل وغير وأشرك إلا فلان حتى انقرضوا .
زيد ابن عمرو ابن نفيل حجة على أهل مكة كان يقول لأهل مكة يا أهل مكة أنتم على شرك هذا لا يحل لكم الشاة خلقها الله ورزقكم أيها الله وتذبحونها لغير الله ولم يأتهم رسول يقال لأهل مكة يوم القيامة لما لم تفعلوا مثل زيد هو حجة عليهم هو أمة لوحده إلى أن جاء الأمر لأهل مكة فلما كان قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام بمائتين وخمسين سنة جاء عمرو بن لحي وبدل لهم دينهم قال عليه الصلاة والسلام ( رأيته يجر قسطه في النار )هكذا من أتبعه حتى والدي النبي عليه الصلاة والسلام قال إن أبي وأباك في النار وأستأذن ربه أن يستغفر لأمه فنهي عن ذلك ونهي أن يستغفر لأقاربه المشركين الذين ماتوا على الشرك {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم} والله إن عبدالمطلب وأهل مكة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر عذرا من مشركي زماننا الله يصرح أنهم لم يأتهم نذير وهم كفار مشركون وهؤلاء يقولون إنهم معذورون والله ما عذر هؤلاء بعذر إلا كان عبدالمطلب و عبدالله بن عبدالمطلب وآمنة بنت وهب أحق بهذا العذر لم يأتهم نذير ما أنذر أبائهم من قبل فهم غافلون ومع ذلك كفار مشركون لأن التوحيد لا يحتاج إلى السمع كل شيء له آية وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ولذالك كان ابتلاء نبينا عليه الصلاة والسلام أعظم من ابتلاء الخليل فإن الخليل قد ناقش أباه وجادله بالعقل {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا}أدلة التوحيد في القرآن أدلة العقل ولما كسر أصنامهم قال {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُون} ثم قال {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُم}{أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُون} كل أدلة التوحيد في القرآن عقليه فطرية يعرفها كل أحد فالمشرك ظالم . كما نقل ابن جرير اعتقاد السلف في عقيدته ولم يذكر فيه خلاف وذكر مسائل بعدها ذكر فيها خلاف أن من أنكر التوحيد وأشرك بالله فهو مشرك كافر ولو عاش ومات في الدنيا وهو لم يرى إلا نفسه لم يرى من ابن آدم إلا نفسه فهو مشرك كافر لأن حجج التوحيد لا تتوقف على السمع فنبينا عليه الصلاة والسلام وإبراهيم عليه الصلاة والسلام طابت نفسه من أبيه علم أنه معارض وأنه معاند فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه أما محمد صلى الله عليه وسلم فابتلائه أعظم أمه وأبوه مشركون كفار وهم ما أتاهم من نذير هذا أعظم في الابتلاء وهذه أسوة لمن كان أبواه في الشرك أن محمد صلى الله عليه وسلم أحب خلق الله إلى الله هذا حال والديه .
يا سبحان الله أنها مسألة أوضح المسائل أن التوحيد أمر فطري لا يحتاج إلى نذير وهذا في القرآن كله يقول مطرف بن عبدالله بن الشنخير حدثنا عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة فقال ( أني أعلمكم في مقامي هذا ما علمني ربي وجهلتم فكان مما قال إني خلقت عبادي حنفاء كلهم) حتى المجوس والهنودس واليهود والنصارى خلقو حنفاء كلهم ( فأجتالتهم الشياطين ) شياطين الإنس والجن فأطاعوا الشياطين وتركوا داعي الله وعظ الله في قلب كل مسلم وهذا من الحجج لمت الملك في قلب العبد من الحجج يطيعون لمت الشيطان ويعصون لمت الملك ويريدون أن يعذروا حجج الله كثيره فقال الله ( فأجتالتهم الشياطين عن دينهم ) فأطاعوا شياطين ( وحرمت عليهم ما أحللت لهم , وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطان) كل هذا من أمر الشياطين وأطاعوهم بالله عليكم هل هؤلاء معذورون والله لو لم يبلغهم كلمة واحدة إن الحجة قائمة عليهم قال عليه الصلاة والسلام ( ثم نظر الله إلى أهل الأرض) قبل بعثته عليه الصلاة والسلام (فمقتهم) والمقت أشد البغض ( عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب لم يبدلوا ) بالله عليكم لو كانوا معذورين هل يمقتهم رب العالمين هل يمقت المعذور هل يمقت المجنون هل يمقت الطفل الصغير لا يمقت إلا الظالم فالله مقتهم مع أنه يحب العذر سبحانه وتعالى قال عليه الصلاة والسلام (لا أحد أحب إليه العذر من الله ) ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب حتى يقطع ألسنة البشر وهذه من أوضح الحجج على أن من كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم مشركون كفار ممقوتون عند الله وعند خلقه وهم أعذر من هؤلاء أولائك ما أتاهم من نذير وهم ممقوتون فما بالك بمن يسمعون الأذان والقرآن ما بالك بمن هم في ديار المسلمين وتلتمس لهم الأعذار, والله لو لم يسمع شيء أنه مشرك كافر إذا بدل فطرته ودينه وخالف العقل وخالف واعظ الله وداعي الرحمن في قلبه , يا سبحان الله مقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب يا عباد الله أعقلوا تارك التوحيد كافر ولو لم يأته نذير عبدالمطلب كافر ولم يأته نذير عبدالله بن عبدالمطلب كافر وفي النار ولو لم يأته نذير آمنه كافره ولم يأتها نذير بنص القرآن ( ما أنذر أبائهم ) أين تعجب العقول وسأتلو عليكم في الخطبة الثانية مقطعا كأنه نزل في هذه المسألة اللهم أزل الغشاوة عن قلوبنا وأبصرنا اللهم أجعلنا ممن أراد الحق بقلبه ووفق له اللهم إنا نعوذ بك من الشرك وأهله وأن نلتمس لهم المعاذير أو نميل إليهم أو نحبهم أو نواليهم أو نخالطهم أو ننكحهم أو نأكل ذبائحهم يا رب العالمين اللهم يسر لهم من يدعوهم أو يقاتلهم ( تقاتلونهم أو يسلمون ) يا رب العالمين يا حي يا قيوم وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
بقية المقال في (تارك التوحيد هل يعذر2)
هنا


عدد الزيارات:  2510  ***   للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

© 2019 الأمر الأول - جميع الحقوق محفوظة

حي الروابي شارع الزبير بن العوام الدائري الشرقي بين مخرجي 15 و14 - الرياض